Saturday, March 14, 2020

بين "ديكتاتوريّات" الشّرق وديكتاتوريّات الغرب: وباء قاضٍ وحَكَم


© IMPROTA 2020


أعلنت منظّمة الصّحّة العالميّة في الثّالث عشر من آذار ٢٠٢٠ أنّ القارّة الأوروبّيّة باتت الآن بؤرة وباء فايروس COVID-19 أو المعروف باسم "كورونا"، في حين شكرت هذه المنظّمة منذ أسبوع جمهوريّة الصّين الشّعبيّة على مدّها يد العون، رغم الصّعوبات الّتي تعانيها، إلى البلدان النّامية الأخرى "في لحظة حرجة من الاستجابة العالميّة للمرض". جمهوريّة الصّين الّتي تعلن يومًا بعد يوم اقترابها من الشّفاء الكامل من الوباء مع تنازل عدد المصابين فيها يوميًّا، كانت قد سجّلت أعلى عدد من الإصابات في العالم، بلغ عددها حواليّ ٨١ ألف حتّى تاريخ ١٤/٠٣/٢٠٢٠ [1].

حكمت غصن

بُعَيد هذه الأحداث والتّطوّرات الّتي تعصف بالعالم، جاء الوباء كعاصفة هوجاء لتنفض الغبار عن نقاشات كانت مطمورة تحت العفن المتراكم لعقود. هذه النّقاشات والتّساؤلات، لم تنحصر على مستوى الرّأي العامّ فحسب، بل وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى حكومات وإدارات ورئاسات، كان أوضحها ما مرّت عليه كلمة رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة إيمانويل ماكرون، حين لمّح إلى أنّ "اقتصاد السّوق" لا يمكن أن يكون على حساب قطاع الصّحّة والطّبابة، أي على حساب أمن المجتمع والبلاد [2]. هذا الرّئيس بالمناسبة، كان قد خاض منذ وصوله وحزبه إلى الحكم، حربًا شعواء هدفت إلى تثبيت النّيوليبراليّة عبر فتح كلّ القطاعات العامّة (الطّبابة والبحوث العلميّة ضمنًا) على المنافسة والتّسليع وقوانين السّوق الّتي لا تهدف إلّا لكسب المزيد من الأموال وتحويلها إلى جيوب قلّة قليلة من كبار مالكي رؤوس الأموال وكبار المصرفيّين ورجال الأعمال.

وإذا أردنا التّركيز على القارّة الأوروبّيّة لأخذها كمثال، فإنّ هذه السّياسات، لم تبدأ بالطّبع مع عهد ماكرون، ولا هي محصورة بحدود الجمهوريّة الفرنسيّة، بل هي بالأساس ناتجة عن خطّ سياسيّ يديره ما يسمّى "الاتّحاد الأوروبّي"، وبشكل أخصّ "المفوّضيّة الأوروبّيّة" ومركزها العاصمة البلجيكيّة بروكسيل. وفي المفوّضيّة الأوروبّيّة ذات الصّلاحيّات الواسعة في الإدارة والاقتصاد، تختار كلّ دولة أوروبيّة ممثّلًا واحدًا عنها. هؤلاء الممثّلون هم عادةً اختصاصيّون ومستشارون مرتبطون غالبًا بمالكي رؤوس الأموال والشّركات متعدّدة الجنسيّات وصناديق النّقد وما لفّ لفّهم، أو حتّى موظّفين سابقين شغلوا مراكز عالية لدى هذه الحيتان الماليّة. إنّ مهمّة هؤلاء ضمن الاتّحاد الأوروبّيّ هي دراسة وإقرار توجيهات يقومون بإملائها* على حكومات دول الاتّحاد، الّتي بدورها مُلزمة بتطبيقها مقابل المحافظة على عضويّتها ضمنه، وبالتّالي ضمن اتّفاقيّات فتح الحدود وتوحيد الاقتصاد والعملة والتّبادل التّجاريّ. كلّ ذلك مع دور استشاريّ محدود وغير مقرِّر للبرلمان الأوروبّيّ ومركزه مدينة ستراسبورغ الفرنسيّة، وهو برلمان منتخب مباشرةً من قبل مواطني الدّول الأعضاء.

ما أردنا قوله عبر استعراض هذا الجانب من بنية الاتّحاد الأوروبّيّ، هو أنّ آليّاته لا يمكن أن تعبّر عن نظام ديمقراطيّ بالمعنى الغربيّ، لأنّ القرارات الّتي تحدّد مصير الدّول وبالتّالي الشّعوب والمجتمعات، لا تنبع بشكل مباشر من الشّعوب نفسها، بل من مصالح اختصاصيّي المفوّضيّة، المرتبطين بالحيتان الماليّة والشّركات الخاصّة. هذه المصالح الأقلّويّة الّتي عبّرت عنها إملاءات المفوّضيّة لعقود، ظهرت نتائجها الكارثيّة بوضوح أمام الوباء المستجدّ، أكان في تخلّف الاتّحاد الأوروبّيّ عن تقديم النّجدة الفعليّة لأحد أعضائه الضّعفاء: إيطاليا؛ الضّحيّة الأكبر للوباء، أو على صعيد إضعاف القطاعين الأساسيّين لمواجهة هذه الكارثة الطّبيعيّة، أي قطاع الصّحّة العامّة والطّبابة، وقطاع البحوث العلميّة.

لقد كانت صرخات العاملين في قطاع الصّحّة تتعلى منذ سنين، في وجه سياسات التّقشّف الّتي فرضت حدًّا أدنى في القدرة الاستيعابيّة لهذا القطاع، أكان لجانب تناقص عدد الكوادر البشريّة من أطبّاء وممرّضين وإداريّين، أم لجانب عدد المستشفيات وتجهيزاتها وعدد أسرّتها، إلخ. هذه الصّرخات كانت تقول وقبل أزمة الوباء، بأنّه وفي الحالات الطّبيعيّة، بات من الصّعب استيعاب كافّة حالات المرضى لا سيّما الطّارئة منها، فكيف بقدرتها اليوم في ظلّ هذه الكارثة المستجدّة. ولم يخفَ على أحد الاعتراف الضّمنيّ للرّئيس الفرنسيّ بهذه الحقائق، حينما أعلن أنّ الأولويّة ستكون للحالات الأكثر خطورة نسبةً لقدرة المستشفيات على الاستيعاب في المنطقة، كما حين مرّ على مهمّة تعويض النّقص الحاصل في أجهزة المساعدة على التّنفّس الضّروريّة لعلاج الإصابة بهذا الفايروس [2].

وما زاد الطّين بلّة، كانت سياسات فتح المنافسة وتحرير الأسواق في قطاع الأدوية، حيث بات عمالقة شركات الأدوية يتحكّمون بالأسعار ويحتكرون عددًا مهمًّا من العلاجات الأساسيّة، إضافةً إلى عدم جدّيّتهم بالقضاء الكامل على الكثير من الأمراض، إذ كانت الأدوية المعالجة لها تدرّ الأرباح الطائلة لخزناتهم الضّخمة، وبالطّبع لا مصلحة لهم بقطع هذا المصدر للرّبح في حال انقراض المرض. لقد كان لهؤلاء العمالقة تأثيرًا كبيرًا على سياسات البحوث العلميّة والطّبّيّة، حيث شكّلوا مصادر تمويل أساسيّة لمختبرات القطاع العامّ، في ظلّ معاناة هذه الأخيرة من سياسات التّقشّف الّتي أدّت إلى تخفيض إنتاجيّة الابتكار والإبداع ضمنها، ولذلك أسباب عديدة أهمّها شحّ الموارد المختلفة: الكوادر البشريّة، التّجهيزات، التّكنولوجيات المتاحة، والأهمّ، الوقت المتاح للباحث كيّ يقوم بأداء مهنته كما يلزم، فالبحث العلميّ لا يمكن أن يكون وليد اللّحظة، أو خطة للطّوارئ، بل هو تراكم لسنين من العمل النّظريّ والمخبريّ ومراكمة التّجربة والنّتائج والخلاصات والفرضيّات الجديدة، كما أنّه بالأساس يحتاج لمنهجيّة نقديّة متحرّرة من مصالح المموّلين الّذين باتوا بغالبيّتهم شركات خاصّة تبغى الرّبح، مقابل تراجع تمويل القطاع العامّ والدّول، أي من يمثّل بالمبدأ مصالح المجتمع.

أمام هذا النّموذج، برز في الجانب الآخر من الكوكب، نموذج معاكس لكلّ هذه السّياسات، مثّلته على وجه الخصوص جمهوريّة الصّين الشّعبيّة، والّتي اتّبعت سياسة ضخّ لميزانيّات ضخمة في مختلف قطاعات البحوث والتّكنولوجيا، هدفت من خلالها حلّ إشكاليّات تطال المجتمع، وبالتّالي رفعه إلى مصافي المجتمعات المتقدّمة والقادرة، كما وضعت في سلّم أولويّاتها قطاع الصّحّة والطّبابة الّذي كان مثابرًا على هدفه الأسمى: علاج المرضى، بعيدًا عن أي سياسات تقشّف، ومتحرّرًا من اقتصاد السّوق وأسياده محتكري العلاجات وبغاة الرّبح على حساب حياة النّاس وصحّتها.

رغم كلّ العنصريّة الّتي حاولت الفتك به، فقد أذهل هذا النّموذج بقدرته على المثابرة والتّحمّل والمعرفة والتّطوّر، كما بالالتزام والانضباط والمسؤوليّة الجماعيّة، بعيدًا عن الميوعة والأنانيّة والفرديّة، مجتمعات النّماذج الأخرى، لا بلّ بات جاهزًا وقادرًا على مساعدة هذه المجتمعات، في حين عجز عقلها المدبّر (المفوّضيّة الأوروبّيّة)، وأدار سيّدها الأميركيّ المتعجرف ظهره، أقفل الباب على نفسه، وانعزل في حالة التّخبّط الدّاخليّ المتصاعد والّذي لم يعد بعيدًا عن انفجار جديد أشدّ وقعًا من انفجار وول ستريت ٢٠٠٨، في حين بدأت المجتمعات تطرح الأسئلة حول جدوى هذه الأنظمة الّتي أثبتت فشلها بالتّجربة، كما تعيد النّظر بمسائل الحرّيّات الفرديّة البالغة حدّ الأنانيّة، مقابل المسؤوليّة الجماعيّة والتّضامن والتّعاون...

وكما هي العادة، إنّ كلّ كارثة في الوقت نفسه هي فرصة لبارقة أمل جديدة، فكارثة وباء كورونا دفعت إلى انفكاك أسرع عن عالم قديم يلفظ أنفاسه ما قبل الأخيرة، والتّقدّم نحو عالم جديد ما زال يكافح ليولد، وبات قاب قوسين أو أدنى من مخاضه... فبعيدًا عن نقاش المفاهيم والآراء، إنّ واقعًا جديدًا بدأ يتعدّى الجدل، ليطال تحوّلات ملموسة في انقلاب موازين القوى وتحوّل العلاقات السّياسيّة والاقتصاديّة العالميّة، الّتي لم ولن تنتظر حسم الجدل بالمناسبة، بل ستحسمه قصرًا وبالبرهان الأكبر، أي التّجربة، والمستقبل لناظره قريب...


*: الإملاء بالفرنسيّة تعني “Dictée”، وهو نفس الجذر لكلمة “Dictateur”، أي من يُملي القرارات ويجبر الجميع على تنفيذها... وما هي من مصادفة، فالاتّحاد الاوروبّيّ هو بالفعل ديكتاتوريّة إذا ما اعتمدنا هذا التّعريف، خصوصًا وبأنّه لا بدّ من إعادة النّظر في مفهوم الدّيمقراطيّة بالمناسبة؛ من ديمقراطيّة المسرحيّات الانتخابيّة الّتي لا تأتي إلّا بمن يمثّل مصالح الأقلّيّة، أمام ديمقراطيّة القرارات الّتي تؤخذ بعيدًا عن تلك المسرحيّات الهزليّة والّتي في المقابل تمثّل مصلحة الأكثريّة في المجتمع...


المصادر:
[1]: https://www.worldometers.info/coronavirus/، تحديث ١٤/٠٣/٢٠٢٠.
[2]: https://www.youtube.com/watch?v=uSZFA0xLQsQ، تحديث ١٤/٠٣/٢٠٢٠.