Friday, December 6, 2019

في التّحوّل الاجتماعيّ اللّبنانيّ والأزمة والانتفاضة: بعض الملاحظات

"لا يمكننا تخيّل نظام جديد دون اعتماده على الإنتاج، وعلى الإنتاج الزّراعيّ تحديدًا"

في خضمّ التّحوّلات الكبرى، تعيش المجتمعات في حالة صراع بين ماضٍّ ينهار، وجديد يولد ليشكّل خشبة خلاص لمجتمع مهدّد بالانهيار، فإذا ما كان يرفض السّقوط، كان عليه الانتقال من القديم الرّجعيّ إلى الجديد التّقدّميّ.

حكمت غصن

إنّ المقصود "بالقديم"، كما "بالجديد"، "نظام" قائم على علاقات تحكم البشر داخل مجتمع معيّن. هذه العلاقات ذات الطّابع الاجتماعيّ-الاقتصاديّ، ترتسم تبعًا لمصالح الطّرف المسيطر داخل هذا المجتمع، يرسمها هو بأداة تعرف باسم "السّياسة". وهذا الطّرف، يسخّر كلّ موارد هذا المجتمع والأرض الّتي يعيش عليها، لخدمة مصالحه والدّفاع عنها وتحصينها بوجه الأطراف الأخرى. إلّا أنّه ومهما بلغت قواه، فلا يمكنه أن يتخطّى حقيقة مادّيّة شديدة الوضوح: أنّه وإذا تناقضت مصالحه مع مصالح الأطراف الأخرى، إلى حدّ تهديدها بالموت، فإنّ هذه التّناقضات ستنفجر، لتعيد ترسيم نمط علاقات مختلف يحمي مصالح المنتصر في معركة إعادة ترسيم النّظام.

في لبنان الّذي يتخبّط منذ السّابع عشر من شهر تشرين الأوّل من العام ألفين وتسعة عشر، بلغ نمط العلاقات الّذي يخدم قلّة قليلة على حساب الأغلبيّة السّاحقة من الشّعب، واسمه "النّظام الرّأسماليّ النّيوليبراليّ"، بلغ ذروته بالتّناقض، حتّى انفجر على شكلين متوازيين: الأوّل هو انتفاضة شعبية واسعة، شكّلت حالة تاريخيّة لم يُشهد لها مثيل في هذا المجتمع، والثّاني هو أزمة ماليّة نهائيّة بدأت ملامحها تظهر بوضوح مع انهيار الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ وانحلال أجهزة الدّولة ومؤسّساتها.

لن ندخل بتفاصيل هذه الانتفاضة، إذ أنّ توثيقها وتحليلها يتطلّب مجلّدات، كما أنّ بعض التّفاصيل لا يعدو كونه قشور رمتها السّلطة الحاكمة لخلق شرخ وشكوك داخل انتفاضة النّاس الصّادقة. لكنّنا سنحاول العبور إلى بعض الظّواهر الاجتماعيّة الّتي يمكن أن تساهم برسم بعض القواعد لبناء نمط جديد من العلاقات الاقتصاديّة-الاجتماعيّة، علّها تترافق مع طرح سياسيّ يحمل رؤية وبرنامج لفرض مصالح أغلبيّة النّاس. هذا الطّرح السّياسيّ الّذي وبالمناسبة، تأخّر ولا يزال متأخّرًا على ما يبدو، عن تحمّل مسؤوليّة إعادة رسم النّظام بهدف سلخ المجتمع عن "القديم" المنهار وإنقاذه من السّقوط، إذ لا يتمّ ذلك إلّا عبر تأمين وجود "الجديد" والمساعدة على الانتقال إليه.

إنّ الكارثة الأساسيّة الّتي ستنتج عن انهيار الاقتصاد هي النّقص الحادّ بمختلف الحاجات الأساسيّة: الخبز والغذاء والمياه والكهرباء والمحروقات والطّبابة، وغيرها الكثير من الحاجات الّتي إن غابت، سينتج عنها كارثة إنسانيّة لا تحمد عقباها، كما قد ينتج معها ارتفاع في مستوى التّوتّر الاجتماعيّ والجريمة وفقدان الأمن والأمان والبؤس واليأس الّذي يتمظهر منذ فترة في ظاهرة الانتحار.

لكن ومن جانب آخر، فإنّ المحن تدفع أيضًا إلى رفع مستوى التّضامن والتّكافل الاجتماعيّ، خاصّةً وأنّ الكارثة ستطال الجميع (باستثناء مفتعليها، أي ناهبي ثروة المجتمع)، لذا سيحكُم النّاس شعور من الوحدة حول المأساة الواحدة، وسيدفع إلى وعي المصلحة الموحّدة الّتي لا بديل عنها، وبالتّالي ضرورة التّعاون للتّصدّي لمفاعيلها، وقد شهدنا نموذج مصغّر عن هذا التّعاون قبل يومين من اندلاع الانتفاضة، أي عند كارثة الحرائق الّتي طالت البلاد، إذ كان تعاون المواطنين بمختلف الأشكال، من المشاركة المباشرة في إخماد النّيران إلى المساندة اللّوجستيّة، نموذج عن تشكيل مبادرة شعبيّة تعاونيّة للتّصدّي للكارثة حينما عجزت أجهزة السّلطة عن القيام بذلك. وإن أردنا أن نتخيّل (وبشكل تبسيطيّ) هذا التّعاون في ظلّ أزمة شحّ الحاجات، فقد نرى على صعيد القرى والبلدات، أو المناطق والمدن، نوع من تنظيم شعبيّ للموارد والمسؤوليّات؛ فمن يملك بئر ماء، سيحاول تأمينها للقرية، مقابل من يستطيع تأمين بعض المنتوجات الغذائيّة من أرضه المزروعة أو تربية الدّواجن، إلى من سيقدّم المأوى لمن لم يعد قادر على دفع إيجار منزله، إلى المغترب الّذي يمتلك أرض قد يقدّمها للسّواعد المتطوّعة القادرة على حراثتها وزرعها وتوزيع منتوجها، وغيرها من الأشكال التّعاونيّة الّتي قد تتطوّر للوصول إلى نماذج لسلطات محلّيّة بديلة تقوم بتنظيم الموارد والطّاقات بحسب ما تقتضيه مصلحة المجتمع ككلّ، والّتي ستتقدّم على المصالح الفرديّة بحكم الضّرورة الملحّة والخيارات المحدودة أمام الجميع.

إنّ في هذه الظّاهرة المتوقّعة، والّتي بدأت ملامح لها تبرز في بعض المناطق، انفكاك عن مفهومين أساسيّين للنّيوليبراليّة؛ الأوّل هو الأنانيّة وتقديم المصلحة الفرديّة الضّيقة على مصلحة الجماعة، والثّاني هو مفهوم الملكيّة الخاصّة للموارد والثّروات. كما إنّ القاعدة الاقتصاديّة لهذا الشّكل من الظّواهر، لا يمكن أن تكون قائمة سوى على الإنتاج الزّراعيّ والحرفيّ، بالتّالي هنا، نجد انسلاخ آخر عن "القديم" اللّبنانيّ الّذي دمّر كلّ إنتاج وطنيّ وقام على الخدمات والرّيع وتوظيف المال الوهميّ لسرقة المزيد من المال من جيوب النّاس ووضعه في جيوب القلّة القليلة. في المقابل، لا يمكننا تخيّل نظام جديد دون اعتماده على الإنتاج، وعلى الإنتاج الزّراعيّ تحديدًا، إضافةً إلى أشكال إنتاجيّة أخرى قائمة على الابتكار والإبداع.

ومن الجدير بالذّكر، أنّ هذه الظّاهرة من التّعاون والتّكاتف، ستساهم ببناء صورة ثقافيّة جديدة مختلفة، أي هويّة وطنيّة، خصوصًا أنّ ولملامحها أثر تاريخيّ معروف، طبع هذا المجتمع في حقبات تاريخيّة ماضية شكّلت جزء كبير من التّراث. هذه الثّقافة، قدّ تتمكّن من الحلول مكان الميوعة الّتي نجح النّظام السّابق بفرضها على المجتمع بهدف إعاقة تطوّر وعي النّاس وتخديرها بأشكال مختلفة، إذ كما نجحت حلقات النّقاش والنّدوات الشّعبيّة في السّاحات العامّة ببرهنة القدرة على خلق بديل عن إعلام السّلطة، فسيشكّل العمل التّطوّعيّ والتّعاونيّ المنتج، مجال حقيقيّ لتعبئة الفراغ وتحقيق الدّور والتّأثير الاجتماعيّ وبناء علاقات إنسانيّة أكثر صدقًا، كما إنّه سيعيد توزيع الأدوار الاجتماعيّة بما فيها دور المرأة الّذي لا يمكن أن يكون إلّا أساس في عمليّة الإنتاج والتّعاون.

إنّ هذا الانسلاخ الّذي سيفرضه الأمر الواقع المتمثّل بالأزمة، سيخلق وعيّ جديد مختلف، ليثبت للمجتمع أنّ مفاهيم النّظام السّابق كانت غير نافعة، وأنّ هذا النّمط الإنتاجيّ التّعاونيّ العادل هو ما مكّن المجتمع من تأمين حدّ أدنى من الصّمود، لا بلّ حقّق بشكل عمليّ بوادر وأسس لبناء وحماية نظام جديد سيقوم على نفس تلك المبادئ، أي الإنتاج، والتّعاون، والعدالة الاجتماعيّة.

Wednesday, February 13, 2019

كسر التّبعيّة بين المركز الغربيّ والدّول الأطراف: بعض ملامح سقوط الأحاديّة والتّحوّل العالميّ



بعد تمظهر فشل النّموذج السّياسيّ-الاقتصاديّ في لبنان على مراحل مختلفة، وتفاقم أزمته مؤخّرًا، إلى حدّ لم يعد يمكن إخفاءه تحت الأقنعة التّقليديّة، كالمذهبيّة وضخّ الإعلام اليوميّ عن سجالات "٨ و١٤ آذار" مثلًا، بدأت أصوت الانتقاد والنّقد، على تنوّعها واختلافها، تعلو وتنتشر أكثر فأكثر بين المواطنين وضمن مختلف مكوّنات المجتمع. وكان أحد تجلّياتها حركة الشّارع المتقطّعة منذ عام ٢٠١١ إلى ما تشهده البلاد منذ أشهر.

حكمت غصن

إنّ أحد أبرز هذه الانتقادات، تأتي على شكل مفاهيم باتت منتشرة بين النّاس، منها القائل بأنّ لبنان "بلد تابع للخارج"، وآخر يعتبر أنّه "بلد مستورِد لكلّ شيء، ومُصدّر للشّباب". إنّ بين هاتين العبارتين ارتباطًا وثيقًا يمكن التّعبير من خلاله عن ملامح النّظام الاقتصاديّ والسّياسيّ اللّبنانيّ؛ نطام رأسماليّ غير منتج، قائم على الاستهلاك والرّيع، تابع للغرب عبر عدّة أشكال، أبرزها الدّين العام.

رغم اتّسامه بالطّائفيّة، فإنّ هذا النّظام الاقتصاديّ-السّياسيّ بمضمونه الرّأسماليّ التّابع، لا يقتصر على لبنان فحسب، بل هو نموذج للعديد من الدّول المعروفة بـ "الدّول الأطراف"، وهي الدّول الأقلّ تطوّرًا على صعيد الاقتصاد والمجتمع والتّكنولوجيا، والتّابعة لما يعرف بـ "دول المركز"، أي دول الغرب "المتقدّمة" اقتصاديًا وتكنولوجيًّا (أمّا اجتماعيًّا، فذلك يحمل الكثير من الجدل).

وقد مرّت التّبعيّة بين الأطراف والمركز بأشكال مختلفة تبعًا للمرحلة التّاريخيّة، من الاستعمار العسكريّ المباشر ونهب الثّروات والاستعباد، إلى التّبعيّة السّياسيّة بعد "الاستقلال"، عبر سيطرة حلفاء الغرب على السّلطة في الأطراف، ما سمح له، وعلى رأسه الولايات المتّحدة الأميركيّة، ولا سيّما بعد استئثارها بقيادة العالم بعيد سقوط المنظومة الاشتراكيّة بداية القرن الحاليّ، بفرض أشكال أخرى من الاستعمار، أبرزها الاقتصاديّ، وذلك عبر مراكمة الدّيون على الطّرف، وفتح أسواقه للاستهلاك وضرب منتوجه المحلّي. وقد استخدمت لذلك أدوات عديدة كصندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، ومجلس الأمن وحلف شمال الأطلسيّ إذا ما دعت الحاجة.

ومن أوجه الاستعمار الجديد هو الاستعمار الثّقافيّ، والّذي تمثّل بالعولمة وضخّ نمط الحياة الأميركيّ بشتّى الوسائل (لا سيّما في الإعلام وبيع الأحلام-الأوهام، وعمل المنظّمات غير الحكوميّة أيضًا). إلّا أنّ المفصل الأساس للسّيطرة الثّقافيّة، فكان عبر الإمساك بالنّظام التّربويّ والتّعليميّ، إذ يَسهُل عبره ضخّ المفاهيم الّتي تخدم التّبعيّة والنّظام الرّأسماليّ بثقافته اللّيبراليّة، كما اللّغات وثقافات دول المركز.

لكن، وأبعد من ذلك، فإنّ تبعيّة مؤسّسات التّعليم العالي، أي الجامعات، فيمكن أن تدمج بين الاستعمار الثّقافيّ والاقتصاديّ في آن، إذ أنّها لا تقتصر على التّعليم فحسب، بل وعلى إنتاج القوى العاملة والتّكنولوجيا والتّقدم العلميّ، ما يجعلها أسيرة سياسات المركز الّذي يستفيد عبر تحديد المدى المتاح لنقل المعرفة والتّكنولوجيا إلى الأطراف بحسب ما تقتضيه مصالحه وحاجة سوقه الاستهلاكيّة من جهة، وعبر فرض مناهج تتناسب مع حاجات اقتصاده، وذلك استعدادًا لفرض الهجرة على القوّة العاملة والكادر المتخصّص، بهدف خدمة اقتصاده من جهة أخرى (وهنا ربّما نجد تفسيرًا للمنح الّتي سَمحت للعديد من الطّلبة اللّبنانيّين بالذّهاب والتّخصص في الغرب إبّان حقبة التّسعينيّات).

تفاقم الأزمة مركزًا وطرفًا.. ما الجديد؟

إنّ النّموذج "المركز-الطّرف" الّذي تحدّثنا عنه، بقي سائدًا في العالم، ودون منازع، حتّى عام ٢٠٠٨، حينما انفجرت أزمة وول ستريت، ولا زالت حتّى يومنا تفجّر تناقضات مستمرّة في دول الغرب، كما في الأطراف (كان أبرزها ما عرف بالرّبيع العربيّ). ولكن، كيف تتخلخل علاقات التّبعيّة شيئًا فشيء؟

أحد محاور هذا التّخلخل بدأ بتراجع الأرباح والقوّة الماليّة للعديد من الشّركات في الغرب، وإفلاس شركات كثيرة أخرى بسبب أزمة ٢٠٠٨ وتراجع القوّة الشّرائيّة لدى المواطنين الغربيّين على إثرها. انعكس ذلك تراجع كبير في فرص العمل، ما أثّر سلبًا على باب الهجرة، والّذي كان أحد أبرز الحلول لأزمة اليد العاملة في الأطراف، وبابًا مهمًّا من أبواب التّبعيّة الّذي تمّ إغلاقه شيئًا فشيء، ما أدّى إلى ارتفاع نسبة البطالة أكثر فأكثر، وبالتّالي ضعضعة تحمّل المواطنين لنظامهم وسلطاتهم، وبأشكال أكثر حدّيّة إثر ازدياد الضّغط الاجتماعيّ والفوارق الطّبقيّة.

وباستمرار التّراجع، بالتّوازي مع إصرار حكومات الغرب على الرّأسماليّة كنموذج، باتت هذه الأخيرة مضطرّة لتقديم الكثير من التّسهيلات للشّركات. بالمقابل، وبهدف تعويض كلفة هذه التّسهيلات، قامت بفرض سياسات "التّقشّف" وتخفيض دعم القطاع العام، لا سيّما القطاع الأكاديميّ، الّذي بات مهدّدًا في دولة كفرنسا مثلًا، إذ أدّى ذلك "التّقشّف" إلى انخفاض عدد المنح البحثيّة، كما فرض سياسة تحديد عدد الطّلّاب منذ مرحلة الإجازة عبر نظام التّرشّح والتّصفية. وقد كان آخر فصول هذا المسلسل، رفع رسوم التّسجيل على الطّلّاب الأجانب بمعدّل عشرة أضعاف الرّسوم السّابقة، ما شكّل كارثة لدى طلّاب الدّول الأطراف المرتبطة بفرنسا، كتونس والجزائر والمغرب وعدد كبير من دول أفريقيا، ولبنان طبعًا.

لكن، ومن جانب آخر، فإنّ هذا القطع للسّيطرة الأكاديميّة على الأطراف، والّذي تفرضه الأزمة والتّناقضات المتجذّرة في الرّأسماليّة وشكلها الأحاديّ العالميّ (واسمه "الإمبرياليّة")، سيكون ضربة مهمّة للتّبعيّة الاقتصاديّة والثّقافيّة، وبالتّالي لإحدى أهمّ آليّات السّيطرة الاستعماريّة الحديثة، أي لهذا النّموذج الّذي يعاني الانهيار المتسلسل منذ العام ٢٠٠٨، ولنمط علاقاته المتناقضة.

وماذا عن كسر الأحاديّة؟

إذا عدنا إلى المسألة الأكاديميّة على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ إغلاق باب الغرب أمام طلّاب الدّول الأطراف، سيجعل من الضّروريّ إيجاد حلّ لأعدادهم المتزايدة، وذلك يجب أن يكون عبر بناء مناهج تتناسب وبقاءهم في بلادهم، أي تلائم حاجات بلادهم، كما عبر بناء اقتصاد يؤمّن لهم حقّ العمل والاستمرار، أي اقتصاد منتج قادر على تأمين الاكتفاء الذّاتيّ وعلى توزيع الثّروة بشكل عادل ومتوازن. ويعني ذلك بالضّرورة، تغيير الأنظمة الرّأسماليّة التّابعة، وخلع السّلطات الّتي تحميها، وهذا التّغيير سيحصل بقوّة الفئات المتضرّرة حتمًا، أي الأكثريّة الشّعبيّة.

لكن، ومن ناحية أخرى قد لا تكون متناقضة، ربّما سنجد اتّجاه للطّلّاب إلى دول أخرى بديلة لا تنتمي لمحور الغرب، ألا وهي الدّول الصّاعدة الّتي بدأت بكسر أحاديّة الجانب الأميركيّ-الغربيّ، وأبرز هذه الدّول هي الصّين وروسيا. وقد لوحظت حركة متنامية للطّلّاب اللّبنانيّين في السّنوات الأخيرة نحو هذه الدّول، خصوصًا بعد تقديمها لعدد مهمّ من المنح الدّراسيّة والبحثيّة.

قد يعتبر البعض أنّ هذا الاتّجاه نحو الصّين وروسيا، لن يكون سوى سيناريو جديد لتبعيّة استعماريّة أخرى، وله الحق في اعتقاد ما يشاء، شرط قبول فتح النّقاش، الّذي قد يبدأ ببعض الأسئلة حول سياسات "التّعاون" كنقيض "للسّيطرة والنّهب"، وضرورتها في ظلّ التّأخّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ والتّقنيّ الحادّ لدى الأطراف. وقد تجلّى هذا النّموذج، بالمناسبة، في تجارب مختلفة، كان أبرزها بين الصّين وبعض الدّول الأفريقيّة، أو روسيا وأنغولا الّتي باتت أوّل دولة أفريقيّة تطلق قمرًا صناعيًّا بالتّعاون مع الرّوس (هل سمعنا يومًا بتعاون بين "ناسا" ودول حليفة للغرب ضمن مشروع مماثل؟).

ولكنّ الأهمّ بين الأسئلة، هو عن إمكانيّة إعادة إحياء نموذج "المركز-الطّرف"، الّذي بلغ ذروته في التّناقض حتّى تأزّم وتداعى، وها هو يوشك على السّقوط تمهيدًا للخروج من التّاريخ...


(المصدر: مجلّة "النّداء"، العدد ٣٥١، صفحة "رأي". ٨ شباط ٢٠١٩)

Tuesday, February 12, 2019

مجابهة التّحريف، في سبيل ضرورة التّغيير



نتناول في مقالنا هذا، جانباً من جوانب النّقاشات الّتي، وللأسف، لم تحسم حتّى اليوم، وذلك بعد مرور مئة عام على خوض أضخم التّجارب في تاريخ اليسار والشّيوعيّة. فلطالما كانت مسألة التّحريف السّياسيّ والفكريّ في اليسار، جدلاً يعود للبروز في أوساطه كما في أوساط المجتمع عند اشتداد تناقضات هذا الأخير، أي عند تأزّم النّظام السّائد. ولكن في حاضرنا اليوم، وبعد سيادة الضّخّ اللّيبراليّ لعقود في الفكر والثّقافة على كافّة المستويات، لا سيّما نمط العلاقات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والبروباغاندا، ينزلق هذا الجدل أحياناً في فخّ السّطحيّة السّائدة في محاولة لتفاديه سعياً نحو "العمل"، خصوصاً عند تشبيهه بصراعات إثنيّة أو طائفيّة مضى عليها الزّمن، أو عند ربطه بشخصيّات تاريخيّة باتت "في ديار الحقّ" على حدّ قول المبرّرين. إنّ هذه الانزلاقات تعطي لنقاشنا الحاليّ استثنائيّة ربّما تكون مرتبطة باستثنائيّة الأزمة الرّأسماليّة اليوم، والّتي بات واضحاً أنّ لا أفق لحلّها رأسمالياً.

حكمت غصن

إنّ مجابهة التّحريف في حاضرنا كما في كلّ لحظة، ضرورة في سبيل تصويب العمل السّياسيّ والفكر النّظريّ، بهدف خوض تجربة فاعلة نحو تغيير النّظام الرّأسماليّ السّائد، والّذي بات عقبة أمام تقدّم المجتمع البشريّ وخلاصه من نير الموت والدّمار والعبوديّة، عبر بناء البديل الاشتراكيّ القائم على التّوزيع العادل للثّروة والملكيّة العامّة لوسائل الإنتاج تمهيداً لتقدّم الإنسانيّة واحترام الإنسان كقيمة أساس. لذا، وبما أنّ التّغيير بات ضرورةً ملحّة، فإنّ فهم التّحريف وتعريته في سبيل مواجهته، لا يقلّ عن التّغيير أهمّيّةً، خصوصاً أنّه محور أساس في مجابهة التّسطيح، أي أحد أدوات الدّفاع الأيديولوجيّة للرّأسماليّة.

العدميّة

يرتبط هذه المصطلح، أو تطبيقه الفكريّ بالأحرى، بأغلب الحركات التّحريفيّة، من ليبراليّين وفوضويّين وطفوليّين. ذلك أنّ هذه الحركات، تعمد إلى ضرب المفاهيم الجذريّة والأسس النّظريّة عبر نقد هدّام مبني على فكرة القدرة على نقض كلّ الأفكار تحت حجّة "الجدليّة" أو أنّ "كلّ شيء نسبيّ" أو "متحرّك ومتغيّر"، ساعين طبعاً خلف تهديم المراجع الفكريّة الأساسيّة لفهم آليّات عمل النّظام الرّأسماليّ وكيفيّة ضربه تمهيداً لتغييره وبناء البديل، وذلك غالباً عبر تسطيح الأفكار وتفسيرها بغير سياقها، كما بتسخيفها لا سيّما عبر التّهكّم الّذي بات أداة فعّالة في ظلّ ميل النّاس لتنفيس الضّغط اليوميّ عبر بعض السّخرية.

بغضّ النّظر أنّ استخدام مصطلحات "الجدليّة" و "النّسبيّة" و "الحركة" يأتي في سياق مفكّك ومجرّد من الظّرف التّاريخيّ والواقع المادّيّ، يتناسى هؤلاء، وهم من يدّعون بشدّة "ارتكازهم إلى العلم"، أنّ الحقائق المادّيّة العلميّة هي واقع، أكان في علوم المادّة والطّبيعة، أم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة (بحسب الماركسيّة الّتي يدّعون أيضاً أنّهم من مناصريها). بذلك، ينطلقون في نقدهم باعتبار هذه الحقائق "نسبيّة" دون تحديد المرجع (ذلك أنّ النّسبيّة هي الرّؤية انطلاقاً من مرجعيّة)، أي ينطلقون من العدم، وإلى العدم، نافين بذلك مبدأ المرجع كما مبدأ التّراكم العلميّ والبحثيّ (وهو مبدأ أساس في البحوث العلميّة)، أو ينطلقون، دون الاعتراف، من الأحكام الذّاتيّة، وهذا ما يذكّرنا بفلسفة بيركلي المثاليّة القائمة على فكرة أنّ حياة كلّ إنسان هي أحلام يراها وحده ويصدّقها ولكنّها ليست واقع بل وهم في خياله. وعند السّقوط أمام أوّل سؤال أو نقاش، يلجؤون لما يسمّيه عالم النّفس الماركسيّ ويلهم رايش بـ "الآليّات الدّفاعيّة"، وهي أفكار يدرك الشّخص أحياناً أنّها غير واقعيّة، ولكنّه يضطرّ إلى تصديقها ليقنع نفسه أوّلاً وقبل أن يقنع الآخرين بأنّه غير مخطئ وأنّ كلامه منطقيّ، ليحافظ على كبريائه أمام نفسه، وفي جوهر الكبرياء يلوح شبح الذّاتيّة وتغيب الموضوعيّة الّتي غالباً ما يبدأ التّحريفيّين خطابهم بها بالمناسبة.

عالم المثل والظّرف التّاريخيّ

تتميّز الشّعارات المعلنة لهذا التّيّار السّياسيّ بالصّوت العذب وتحفيز المشاعر المرهفة عند سماعها، ذلك أنّها جذّابة كشعار "الحرّيّة" و "الدّيمقراطيّة" و "العدالة" و "الإخاء" وغيرها من شعارات الثّورة الفرنسيّة أو مراجع تاريخيّة مختلفة. لا شكّ أنّ هذه الشّعارات هي شعارات إنسانيّة محقّة، ذلك أنّ عذوبة صوتها ورهف المشاعر لا ينتج عن فراغ، بل عن حاجة المجتمع البشريّ الملحّة لتطبيق مبادئ مماثلة، هذه المبادئ الّتي اضمحلّت تحت نير النّظام الرّأسماليّ والاستعمار والعبوديّة. إلّا أنّ المشكلة لا تكمن في الشّعارات نفسها، بل في كيفيّة فهمها، طرحها، وبلوغها.

بما أنّ هذا التّيّار ينطلق من العدم كما ذكرنا آنفاً، فإنّ فهم هذه المبادئ مغلوط حكماً؛ على سبيل المثال، نلاحظ الدّعوة "للحرّيّة المطلقة" سعياً لتبرير أيّ تصرّف سياسيّ أو اجتماعيّ، متناسين أنّ الحرّيّة تشمل حرّيّة الآخر، أو بمعنى أدقّ، أنّ الحرّيّة الحقيقيّة هي حرّيّة جماعيّة وليست مجزّأة على الأفراد أو "الجماعات". كما أنّه لا يمكن فرض مفهوم "الحرّيّة الفرديّة"، وهو محقّ في بعض نواحيه، من خارج واقعه الاقتصاديّ الاجتماعيّ التّاريخيّ، خصوصاً في إطار العمل السّياسيّ وما يفرضه من أولويّات، فكما قال ماركس: "الحرّيّة هي معرفة الضّرورة". وهنا نلاحظ، كيف أنّ هذه التّيّارات، تعيش نظريّات فكريّة خارج الظّرف المادّيّ التّاريخيّ، وتطلق المواقف لتحكم من خارجه، بما في ذلك من تناقض مع الدّيالكتيك، كالمطالبة مثلاً ببعض الحرّيّات الفرديّة وبالمساواة الجزئيّة قبل تغيير نمط العلاقات الاقتصاديّ الاجتماعيّ المبني على القمع واللّا عدل، ويعني ذلك تبنّي الإصلاح لا التّغيير الجذريّ، فتحلّق في عالم مثلها وتنزلق في رؤيتها السّياسيّة المثاليّة غير القابلة للتّطبيق، وتنعزل في بوتقتها عن المجتمع الّذي يُفتَرض أنّها تدّعي الدّفاع عنه ودفعه نحو "التّقدّم"، وتصبح خارج التّأثير السّياسيّ وبالتّالي خارج حركة التّاريخ، ولهذا الخروج أمثلة تاريخيّة لا ريب فيها.

نمط العلاقات والرّجعيّة في المجتمع: السّبب أم النّتيجة؟

مجدّداً وفي إطار الانزلاقات المثاليّة في النّظريّة الفكريّة والعمل السّياسيّ، تغفل هذه التّيّارات عن حقيقة أنّ العادات والتّقاليد والمفاهيم الاجتماعيّة، تأتي نتيجة نمط علاقات الإنتاج الاقتصاديّة، ولهذه الحقيقة مراجع كثيرة عبر التّاريخ لا سيّما لدى ابن خلدون (وماركس طبعاً)، نشرح منها بعض المفاهيم انطلاقاً من واقعنا الحاليّ.

على سبيل المثال، إنّ المنافسة المبنيّة على تحقير الآخرين للتّفوّق عليهم، والّتي باتت تجتاح مجتمعنا، تأتي نتيجة محدوديّة وضيق "فرص العمل"، والبقاء للأكثر إقناعاً (أي تسويقاً لنفسه، وهنا يأتي مفهوم مرتبط وهو "النّرجسيّة")، فإذا ما أردنا الخروج من هذه المفاهيم، فمن الأفضل حلّ أساس المعضلة الكامن في قمع حقّ العمل، وهذا الحقّ لا يكتسب إلّا بتغيير النّظام الرّأسماليّ نحو نظام اشتراكيّ، وبالتّالي فإنّه لا يمكن محاربة هذه المنافسة عبر "نشاطات توعويّة" مهما كانت حديثة وجذّابة ومسليّة.

مثال آخر يطرح في هذا الإطار، وهو الكبت الاجتماعيّ، والّذي يقترح هذا التّيّار كسره بكسر المفاهيم الاجتماعيّة الرّجعيّة و "التّحرّر" (ولكن كيف؟ لا أحد يعلم). إنّ تغيير هذه المفاهيم الرّجعيّة لا يمكن تحقيقه إلّا بفهم أساسه، ألا وهو غياب دور الفرد الاجتماعيّ المنتج، حيث يسود الفراغ، ما يدفع الأفراد إلى سدّه عبر محاولة إيجاد دور اجتماعيّ في محيطهم (مثلاً، عندما يفرض الأهل خيار التّخصّص على أولادهم، فغالباً ما ينبع هذا الفرض من تعبئة فراغ الأهل في عدم قدرتهم هم على اختيار هذا الاختصاص أو ما يوازيه على المستوى الاجتماعيّ والمادّيّ، عندما كانوا في تلك المرحلة العمريّة نتيجة الحرب مثلاً). إنّ غياب الدّور المنتج والقيمة الاجتماعيّة للفرد، هو سمة من سمات النّظام الرّأسماليّ، وهنا أيضاً نعود لنقول أنّ التّحرّر الاجتماعيّ لا يمكن أن يحصل في ظلّ اللّيبراليّة، فـ "التّحرّر الجنسيّ" لن يعوّض العلاقة الحقيقيّة الرّوحيّة بالآخر ولو تمّ إرفاقه بقوانين ومفاهيم إنسانيّة (لا يختلف مبدأها في هذا الإطار عن فكرة الشّريعة والدّين)، بل سيعوّضه تعبئة الفراغ بالدّور المنتج وعلاقات حقيقيّة مبنيّة على أساس هذا الدّور بين البشر.

إنّ هذه الأمثلة توضّح كيف أنّ هذا التّيّار، يذهب في محاولته لمعالجة النّتيجة وإغفال السّبب الكامن خلفها، وهذا ما تشتهر به بالمناسبة، السّلطة اللّبنانيّة مثلاً. كما يغفل عن هذا التّيّار في التّكتيكات السّياسيّة (الّتي قلّ ما امتلك الكفاءة فيها)، أنّ القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة الّتي تطال جميع الفئات المستَغلّة بمختلف انتماءاتها الأيديولوجيّة والثّقافيّة لتجمعها حول مصالحها، هذه القضايا هي الخاصرة الرّخوة للنّظام، أمّا تصويب السّهام على عادات النّاس وتقاليدها والّتي تعتبر من أسس شخصيّتها الاجتماعيّة، هو السّدّ المنيع أو فرصة النّظام للهجوم المضادّ. وما أصعب تحطيم أفكار النّاس المثاليّة أمام دفعهم لتحقيق مصالحهم المادّيّة والمراكمة السّياسيّة من خلالها، وما أسهل تغيير النّتيجة عند معالجة السّبب...


(المصدر: مجلّة "النّداء"، العدد ٣٢٤، صفحة "رأي". ٢٧ تشرين الأوّل ٢٠١٧)