Sunday, July 12, 2020

من دروس التّسعة أشهر الأخيرة: هل كان الشّارع كافيًا؟

الصّورة من ساحة الشّهداء، وسط بيروت / بعدسة رامي رزق

يشعر بعض الرّومانسيّين، كما أعداء التّغيير، بالامتعاض من السّؤال الّذي سنحاول مناقشته في مقالنا هذا، وهو سؤال كان قد تردّد مرارًا وتكرارًا منذ بداية انتفاضة 17 تشرين، وعلى مدى الأشهر التّسعة الّتي تلتها، وهذا التّردّد المتكرّر ليس إلّا نتيجة طبيعيّة لمحاولة تجاهل الإجابة، المترافقة مع الفشل المتتابع في تحقيق أيّ خرق جدّيّ في عمليّة "التّغيير" الّتي لا تريد أن تعتمد إلّا على الشّارع وعفويته. لذلك، يتوجّب الاعتذار المسبق عن تكرار هذا "الإزعاج"، مع التّنويه بأنّه سيبقى مستمرًّا وبوتيرة "أكثر إزعاجًا"، إذ أنّ الإجابة عن هذا السّؤال لم تعد مطلوبة فحسب، بل باتت ضروريّة لتفادي الذّهاب نحو الاحتمال الأسوأ الّذي سيتحمّل آلامه الجميع (الرّومانسيّون ضمنًا).

حكمت غصن

إنّ السّقوط الحرّ الّذي يعيشه لبنان، هو ككلّ انهيار، أزمة وفرصة في آن، وحسم اتجاهه يكمن في توجيه الدّفّة نحو أحد الاحتمالين التّاليين: الفوضى الشّاملة المترافقة مع انهيار أجهزة الدّولة والقانون مقابل تصاعد الجرائم والعمل الميليشيويّ والانقسامات المذهبيّة والطّائفيّة، أم توحيد جميع الفئات المتضرّرة تحت لواء برنامج إنقاذ يمثّل مصالحها المشتركة ويمهّد لقلب موازين القوى في البلاد والاتّجاه نحو تغيير النّظام المنهار.

الاحتمال الأوّل، أي الفوضى، يجد جميع ظروفه وشروط حصوله جاهزة: العوامل والصّراعات الخارجيّة المحتدمة، الفقر، الجوع، التّجهيل، الانقسامات العشائريّة، ميليشيات أطراف السّلطة على اختلافها، أجهزة المخابرات الدّاخليّة والخارجيّة، السّلاح المتفلّت، انعدام القانون والأمن، وسائل الإعلام معدومة الأخلاق والمهنيّة، ودعايتها الّتي أفسدت قدرة العقول على إعادة النّظر بالمسائل والتّفكير السّليم بها، وبالطّبع، دعنا لا نسى المستفيدين الأوائل من كلّ هذا البؤس: ناهبي البلاد وأسيادهم في الخارج. أمّا الاحتمال الثّاني، فله شروط عديدة، منها الدّاخليّ ومنها الخارجيّ، ولكنّها تتمحور جميعها حول ضرورة أساسيّة سنحاول ترجمتها عبر محاولة الإجابة عن السّؤال التّالي: هل كان الغضب الشّعبيّ والاعتراض الضّخم في الشّارع حصرًا، كافيًا لقلب ميزان القوى وتغيير قواعد الاشتباك في البلاد؟

إنّ أيّ عمليّة تغيير تحتاج إلى كيانات سياسيّة منظّمة تحمل مشاريع وبرامج تحقّق عبرها التّغيير المنشود، إمّا لتعيد إصلاح وتعديل أنظمة حاليّة، فتكون إصلاحيّة متماهية، أو لتستبدلها كلّيًّا بأنظمة جديدة معاكسة، فتكون تغييريّة جذريّة. إذًا، فإدارة البلاد ومجتمعها تشكّل مسؤوليّة ضخمة تتطلّب وضوحًا وقناعة في اتّجاه فكريّ-سياسيّ معيّن، يترافق مع معرفة دقيقة بكيفيّة تطبيق هذا الاتّجاه من خلال دستور جديد يتمّ وضعه للدّولة، ومن خلال أجهزتها الّتي تعاد هيكلتها بحسب المشروع، فكيف لحالة اعتراضيّة واسعة أن تستلم زمام مسؤوليّة كتلك؟

يعتبر بعض المعترضين (ومنهم جزءٌ "شرس") أنّ التّغيير وحلّ الأزمة هو واجب مَن في السّلطة الآن، وليس ذلك واجب النّاس الّتي تأنّ من تداعيات الأزمة، وإحدى تجلّيات هذا الطّرح، وسخافته، تظهر أيضًا عند مطالبة السّلطة "تشكيل حكومة من خارج السّلطة" (؟!). يغافل هؤلاء الشّرسون أنّ السّلطة الّتي تحكم البلاد هي المستفيد الأوّل من الأزمة، وما من مصلحة تجبرها للرّضوخ لمطالب النّاس، وحتّى أنّها لا تكترث لشعبيّتها إذ لن يمنعها لا دستور ولا قانون ولا عُرف من إلغاء الانتخابات مثلًا، والّتي وإن حصلت دون وجود قوى معارضة قادرة على الفوز، فلن تُنتج إلّا السّلطة نفسها. في المحصّلة، نجد أنّ هذا الشّكل من التّغيير في الشّارع لا يعدو كونه وهمًا لمن اقتنع به، خصوصًا في ظلّ غياب منافس سياسيّ حقيقيّ يهدّد السّلطة الحاليّة.

من جانبٍ آخر، تردّد صدى مختلف ليجيب على السّؤال المذكور أعلاه بالإيجاب، معتبرًا أنّ الشّارع سينتج القوّة السّياسيّة المعارضة عبر تأطير النّاس لنفسها وخلقها لتيّارات وحركات وأحزاب جديدة، وهذا الاحتمال قد يكون صائبًا إذا ما تحقّق الشّرط التّالي: وجود نوى (جمع نواة) مبادِرة تحمل رؤى سياسيّة محدّدة، يمكن تسميتها "بالطّليعة"، ليتكتّل حولها جزء من النّاس بحسب مصالحهم وخلفيّاتهم الاجتماعيّة. بالمحصّلة، سينتج عن هذه العمليّة الّتي يسمّيها أنصار هذا الرّأي "بالفرز"، قوى سياسيّة جديدة كالتّيّارات والأحزاب الّتي يتوجّب عليها تنظيم أطرها وكوادرها، بهدف خلق فريق من الأشخاص قادر على صياغة توجّه سياسيّ وبرنامج لتحقيقه، بهدف مشاركة أو استلام أو انتزاع السّلطة وتحمّل مسؤوليّة إدارة البلاد والمجتمع.

يحاول آخرون الالتفاف على تلك الحقيقة، عبر طرح المثال المعروف بتجربة "المجالس الشّعبيّة"، ويعتبرون أنّ النّاس قادرون على الانتظام فيما بينهم تبعًا لمصالحهم، الّتي ستقودهم بدورها دون الحاجة لقيادة سياسيّة. يغافل أنصار هذا الموقف الطّوباويّ أنّ المجالس المحليّة إذما نجحت بالظّهور، ستكون بحاجة إلى ربط في ما بينها لتسطيع تشكيل حالة وطنيّة واسعة وشاملة قادرة على إزاحة السّلطة بقدرة الأمر الواقع، وهذا الرّبط سيحتاج إلى تجانس في الرّؤى الّتي عليها مقاربة المصالح من وجهة نظر طبقيّة واضحة، لا فئويّة ومناطقيّة في بلاد تعاني من الطّائفيّة والمذهبيّة، لذلك فمن الضّروريّ وجود قوّة سياسيّة متجانسة تمثّل هذا التّوجّه بشكل وازن داخل المجالس المحلّيّة، لتسهّل تجانسها باتّجاه مصالحها المشتركة، تدعم التّنسيق العمليّ المثمر في ما بينها لتأمين ضغط فعليّ على الخصم المتمثّل بالسّلطة، ولتحميها من أيّ خلافات قد تؤدّي إلى سيناريوهات تقسيميّة، ستعمل على تأجيجها أحزاب السّلطة الموجودة لتضرب أيّ محاولة جدّيّة للتّغيير، لا بل لتحوّل المجالس الشّعبيّة إلى مجالس فئويّة تكرّس سطوة قوى السّلطة الطّائفيّة مع تقسيم البلاد على أسس مذهبيّة.

بناءً على ما سبق، لا يمكننا أن نستنتج إلّا خلاصة واحدة: أنّ الشّارع وحده وبعفويّته لم ولن يكون كافيًا لتغيير النّظام إذا ما ترافق مع ظهور قوى سياسيّة حقيقيّة وفاعلة قادرة على تحقيقه عبر استلام السّلطة، وهنا يُطرح سؤال جديد أكثر تقدّمًا، عن الطّريقة الّتي ستسمح لهذه القوى بخرق المشهد السّياسيّ المعقّد في البلاد، لفرض نفسها كلاعب جديد في السّاحة، كما عن خطّتها لمشاركة، استلام أو انتزاع السّلطة. كلّ ذلك في حال جزمنا أنّها قد أنجزت مسبقًا بلورة خطّها السّياسيّ وبرنامجها في إدارة البلاد، وهذا ما عليها فعله قبل التّفكير في استلام السّلطة، إذ لا يمكنها الوصول إليها ومن ثمّ الوقوف حائرة أمام بلادٍ تنهار، أي بشكل آخر عليها أن تكون قد حسمت النّقاش وأتمّت التّخطيط للنّقاط التّالية:

1- حسمت بالفعل (وليس بالشّعارات) خلفيّتها الأيديولوجيّة، وبالتّالي توصيفها السّياسيّ للمرحلة التّاريخيّة، وحدّدت خياراتها في الدّفاع عن مصالح أيّ طبقات اجتماعيّة.

2- حدّدت موقفها وموقعها في الصّراع الدّوليّ والعالميّ بين القوى والنّماذج المتعاكسة في هذه المرحلة التّاريخيّة (وهنا يكمن نقاش آخر، أوسع وأعمق ممّا تضخّه يوميًّا بروباغاندا النّظام وأسياده في الغرب).

3- حدّدت نظرتها للنّظام الّذي تسعى إلى تحقيقه، أي حدّدت كيف ستبني المجتمع والبلاد على المدى الطّويل.

4- وضعت خطّة انتقاليّة متوسّطة الأمد لانتشال البلاد من الأزمة، كي تستطيع الاتّجاه نحو تحقيق التّغيير طويل الأمد.

5- رسمت خطّة لكيفيّة تغيير السّلطة الحاليّة بعد تقييم توازنات القوى الطّبقيّة داخل المجتمع والأحزاب الحاكمة، ما يشكّل ثغرات ونقاط ضعف تسمح بضرب وتفكيك منظومات هذه الأحزاب على أساس مصالحها المتناقضة.

6- جهّزت الآليّات التّنفيذيّة لخطّة الضّغط على السّلطة الحاليّة، عبر تنظيم القطاعات والكوادر البشريّة والإمكانيّات الدّعائيّة وكلّ التّقنيّات الّتي تخدم العمل اليوميّ على الأرض كما على طاولات التّفاوض.

إنّ هذه النّقاط تشكّل بدايةً لنقاش أكثر تقدّمًا، كما ركيزة لتحديد جدّيّة أيّ قوّة سياسيّة تعتبر نفسها "بديل"، لتكون قادرة على التّفاوض من أجل فرض برنامجها الإنقاذيّ. أمّا الانغماس في حالة الاعتراض والتّحريض على العنف بكلّ أشكاله دون حسم النّقاط الثّلاث الأولى، ودون القدرة على تطوير النّقاط الباقية بحسب تطوّر الأحداث وموازين القوى، لا يمكن أن يكون سوى مغامرة أثبتت فشلها خلال تسعة أشهر على كلّ المستويات، باستثناء نجاحها في تسعير نار الفوضى والخراب، أي تأبيد النّظام المتعفّن وبؤسه...


تنويه: كُتبت المسودّة الأولى لهذا المقال بتاريخ 04/04/2020، ولم تطرأ عليها أيّ تعديلات جوهريّة، إذ لم يحدث أيّ تغيير جوهريّ في مجريات الأحداث المتعلّقة بفكرة المقال منذ حينه وحتّى تاريخ النّشر (12/07/2020). بمعنى آخر، لا زلنا عالقين في الدّوّامة نفسها، ولم نخطي أيّ خطوة إلى الأمام...

Saturday, March 14, 2020

بين "ديكتاتوريّات" الشّرق وديكتاتوريّات الغرب: وباء قاضٍ وحَكَم


© IMPROTA 2020


أعلنت منظّمة الصّحّة العالميّة في الثّالث عشر من آذار ٢٠٢٠ أنّ القارّة الأوروبّيّة باتت الآن بؤرة وباء فايروس COVID-19 أو المعروف باسم "كورونا"، في حين شكرت هذه المنظّمة منذ أسبوع جمهوريّة الصّين الشّعبيّة على مدّها يد العون، رغم الصّعوبات الّتي تعانيها، إلى البلدان النّامية الأخرى "في لحظة حرجة من الاستجابة العالميّة للمرض". جمهوريّة الصّين الّتي تعلن يومًا بعد يوم اقترابها من الشّفاء الكامل من الوباء مع تنازل عدد المصابين فيها يوميًّا، كانت قد سجّلت أعلى عدد من الإصابات في العالم، بلغ عددها حواليّ ٨١ ألف حتّى تاريخ ١٤/٠٣/٢٠٢٠ [1].

حكمت غصن

بُعَيد هذه الأحداث والتّطوّرات الّتي تعصف بالعالم، جاء الوباء كعاصفة هوجاء لتنفض الغبار عن نقاشات كانت مطمورة تحت العفن المتراكم لعقود. هذه النّقاشات والتّساؤلات، لم تنحصر على مستوى الرّأي العامّ فحسب، بل وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى حكومات وإدارات ورئاسات، كان أوضحها ما مرّت عليه كلمة رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة إيمانويل ماكرون، حين لمّح إلى أنّ "اقتصاد السّوق" لا يمكن أن يكون على حساب قطاع الصّحّة والطّبابة، أي على حساب أمن المجتمع والبلاد [2]. هذا الرّئيس بالمناسبة، كان قد خاض منذ وصوله وحزبه إلى الحكم، حربًا شعواء هدفت إلى تثبيت النّيوليبراليّة عبر فتح كلّ القطاعات العامّة (الطّبابة والبحوث العلميّة ضمنًا) على المنافسة والتّسليع وقوانين السّوق الّتي لا تهدف إلّا لكسب المزيد من الأموال وتحويلها إلى جيوب قلّة قليلة من كبار مالكي رؤوس الأموال وكبار المصرفيّين ورجال الأعمال.

وإذا أردنا التّركيز على القارّة الأوروبّيّة لأخذها كمثال، فإنّ هذه السّياسات، لم تبدأ بالطّبع مع عهد ماكرون، ولا هي محصورة بحدود الجمهوريّة الفرنسيّة، بل هي بالأساس ناتجة عن خطّ سياسيّ يديره ما يسمّى "الاتّحاد الأوروبّي"، وبشكل أخصّ "المفوّضيّة الأوروبّيّة" ومركزها العاصمة البلجيكيّة بروكسيل. وفي المفوّضيّة الأوروبّيّة ذات الصّلاحيّات الواسعة في الإدارة والاقتصاد، تختار كلّ دولة أوروبيّة ممثّلًا واحدًا عنها. هؤلاء الممثّلون هم عادةً اختصاصيّون ومستشارون مرتبطون غالبًا بمالكي رؤوس الأموال والشّركات متعدّدة الجنسيّات وصناديق النّقد وما لفّ لفّهم، أو حتّى موظّفين سابقين شغلوا مراكز عالية لدى هذه الحيتان الماليّة. إنّ مهمّة هؤلاء ضمن الاتّحاد الأوروبّيّ هي دراسة وإقرار توجيهات يقومون بإملائها* على حكومات دول الاتّحاد، الّتي بدورها مُلزمة بتطبيقها مقابل المحافظة على عضويّتها ضمنه، وبالتّالي ضمن اتّفاقيّات فتح الحدود وتوحيد الاقتصاد والعملة والتّبادل التّجاريّ. كلّ ذلك مع دور استشاريّ محدود وغير مقرِّر للبرلمان الأوروبّيّ ومركزه مدينة ستراسبورغ الفرنسيّة، وهو برلمان منتخب مباشرةً من قبل مواطني الدّول الأعضاء.

ما أردنا قوله عبر استعراض هذا الجانب من بنية الاتّحاد الأوروبّيّ، هو أنّ آليّاته لا يمكن أن تعبّر عن نظام ديمقراطيّ بالمعنى الغربيّ، لأنّ القرارات الّتي تحدّد مصير الدّول وبالتّالي الشّعوب والمجتمعات، لا تنبع بشكل مباشر من الشّعوب نفسها، بل من مصالح اختصاصيّي المفوّضيّة، المرتبطين بالحيتان الماليّة والشّركات الخاصّة. هذه المصالح الأقلّويّة الّتي عبّرت عنها إملاءات المفوّضيّة لعقود، ظهرت نتائجها الكارثيّة بوضوح أمام الوباء المستجدّ، أكان في تخلّف الاتّحاد الأوروبّيّ عن تقديم النّجدة الفعليّة لأحد أعضائه الضّعفاء: إيطاليا؛ الضّحيّة الأكبر للوباء، أو على صعيد إضعاف القطاعين الأساسيّين لمواجهة هذه الكارثة الطّبيعيّة، أي قطاع الصّحّة العامّة والطّبابة، وقطاع البحوث العلميّة.

لقد كانت صرخات العاملين في قطاع الصّحّة تتعلى منذ سنين، في وجه سياسات التّقشّف الّتي فرضت حدًّا أدنى في القدرة الاستيعابيّة لهذا القطاع، أكان لجانب تناقص عدد الكوادر البشريّة من أطبّاء وممرّضين وإداريّين، أم لجانب عدد المستشفيات وتجهيزاتها وعدد أسرّتها، إلخ. هذه الصّرخات كانت تقول وقبل أزمة الوباء، بأنّه وفي الحالات الطّبيعيّة، بات من الصّعب استيعاب كافّة حالات المرضى لا سيّما الطّارئة منها، فكيف بقدرتها اليوم في ظلّ هذه الكارثة المستجدّة. ولم يخفَ على أحد الاعتراف الضّمنيّ للرّئيس الفرنسيّ بهذه الحقائق، حينما أعلن أنّ الأولويّة ستكون للحالات الأكثر خطورة نسبةً لقدرة المستشفيات على الاستيعاب في المنطقة، كما حين مرّ على مهمّة تعويض النّقص الحاصل في أجهزة المساعدة على التّنفّس الضّروريّة لعلاج الإصابة بهذا الفايروس [2].

وما زاد الطّين بلّة، كانت سياسات فتح المنافسة وتحرير الأسواق في قطاع الأدوية، حيث بات عمالقة شركات الأدوية يتحكّمون بالأسعار ويحتكرون عددًا مهمًّا من العلاجات الأساسيّة، إضافةً إلى عدم جدّيّتهم بالقضاء الكامل على الكثير من الأمراض، إذ كانت الأدوية المعالجة لها تدرّ الأرباح الطائلة لخزناتهم الضّخمة، وبالطّبع لا مصلحة لهم بقطع هذا المصدر للرّبح في حال انقراض المرض. لقد كان لهؤلاء العمالقة تأثيرًا كبيرًا على سياسات البحوث العلميّة والطّبّيّة، حيث شكّلوا مصادر تمويل أساسيّة لمختبرات القطاع العامّ، في ظلّ معاناة هذه الأخيرة من سياسات التّقشّف الّتي أدّت إلى تخفيض إنتاجيّة الابتكار والإبداع ضمنها، ولذلك أسباب عديدة أهمّها شحّ الموارد المختلفة: الكوادر البشريّة، التّجهيزات، التّكنولوجيات المتاحة، والأهمّ، الوقت المتاح للباحث كيّ يقوم بأداء مهنته كما يلزم، فالبحث العلميّ لا يمكن أن يكون وليد اللّحظة، أو خطة للطّوارئ، بل هو تراكم لسنين من العمل النّظريّ والمخبريّ ومراكمة التّجربة والنّتائج والخلاصات والفرضيّات الجديدة، كما أنّه بالأساس يحتاج لمنهجيّة نقديّة متحرّرة من مصالح المموّلين الّذين باتوا بغالبيّتهم شركات خاصّة تبغى الرّبح، مقابل تراجع تمويل القطاع العامّ والدّول، أي من يمثّل بالمبدأ مصالح المجتمع.

أمام هذا النّموذج، برز في الجانب الآخر من الكوكب، نموذج معاكس لكلّ هذه السّياسات، مثّلته على وجه الخصوص جمهوريّة الصّين الشّعبيّة، والّتي اتّبعت سياسة ضخّ لميزانيّات ضخمة في مختلف قطاعات البحوث والتّكنولوجيا، هدفت من خلالها حلّ إشكاليّات تطال المجتمع، وبالتّالي رفعه إلى مصافي المجتمعات المتقدّمة والقادرة، كما وضعت في سلّم أولويّاتها قطاع الصّحّة والطّبابة الّذي كان مثابرًا على هدفه الأسمى: علاج المرضى، بعيدًا عن أي سياسات تقشّف، ومتحرّرًا من اقتصاد السّوق وأسياده محتكري العلاجات وبغاة الرّبح على حساب حياة النّاس وصحّتها.

رغم كلّ العنصريّة الّتي حاولت الفتك به، فقد أذهل هذا النّموذج بقدرته على المثابرة والتّحمّل والمعرفة والتّطوّر، كما بالالتزام والانضباط والمسؤوليّة الجماعيّة، بعيدًا عن الميوعة والأنانيّة والفرديّة، مجتمعات النّماذج الأخرى، لا بلّ بات جاهزًا وقادرًا على مساعدة هذه المجتمعات، في حين عجز عقلها المدبّر (المفوّضيّة الأوروبّيّة)، وأدار سيّدها الأميركيّ المتعجرف ظهره، أقفل الباب على نفسه، وانعزل في حالة التّخبّط الدّاخليّ المتصاعد والّذي لم يعد بعيدًا عن انفجار جديد أشدّ وقعًا من انفجار وول ستريت ٢٠٠٨، في حين بدأت المجتمعات تطرح الأسئلة حول جدوى هذه الأنظمة الّتي أثبتت فشلها بالتّجربة، كما تعيد النّظر بمسائل الحرّيّات الفرديّة البالغة حدّ الأنانيّة، مقابل المسؤوليّة الجماعيّة والتّضامن والتّعاون...

وكما هي العادة، إنّ كلّ كارثة في الوقت نفسه هي فرصة لبارقة أمل جديدة، فكارثة وباء كورونا دفعت إلى انفكاك أسرع عن عالم قديم يلفظ أنفاسه ما قبل الأخيرة، والتّقدّم نحو عالم جديد ما زال يكافح ليولد، وبات قاب قوسين أو أدنى من مخاضه... فبعيدًا عن نقاش المفاهيم والآراء، إنّ واقعًا جديدًا بدأ يتعدّى الجدل، ليطال تحوّلات ملموسة في انقلاب موازين القوى وتحوّل العلاقات السّياسيّة والاقتصاديّة العالميّة، الّتي لم ولن تنتظر حسم الجدل بالمناسبة، بل ستحسمه قصرًا وبالبرهان الأكبر، أي التّجربة، والمستقبل لناظره قريب...


*: الإملاء بالفرنسيّة تعني “Dictée”، وهو نفس الجذر لكلمة “Dictateur”، أي من يُملي القرارات ويجبر الجميع على تنفيذها... وما هي من مصادفة، فالاتّحاد الاوروبّيّ هو بالفعل ديكتاتوريّة إذا ما اعتمدنا هذا التّعريف، خصوصًا وبأنّه لا بدّ من إعادة النّظر في مفهوم الدّيمقراطيّة بالمناسبة؛ من ديمقراطيّة المسرحيّات الانتخابيّة الّتي لا تأتي إلّا بمن يمثّل مصالح الأقلّيّة، أمام ديمقراطيّة القرارات الّتي تؤخذ بعيدًا عن تلك المسرحيّات الهزليّة والّتي في المقابل تمثّل مصلحة الأكثريّة في المجتمع...


المصادر:
[1]: https://www.worldometers.info/coronavirus/، تحديث ١٤/٠٣/٢٠٢٠.
[2]: https://www.youtube.com/watch?v=uSZFA0xLQsQ، تحديث ١٤/٠٣/٢٠٢٠.

Friday, December 6, 2019

في التّحوّل الاجتماعيّ اللّبنانيّ والأزمة والانتفاضة: بعض الملاحظات

"لا يمكننا تخيّل نظام جديد دون اعتماده على الإنتاج، وعلى الإنتاج الزّراعيّ تحديدًا"

في خضمّ التّحوّلات الكبرى، تعيش المجتمعات في حالة صراع بين ماضٍّ ينهار، وجديد يولد ليشكّل خشبة خلاص لمجتمع مهدّد بالانهيار، فإذا ما كان يرفض السّقوط، كان عليه الانتقال من القديم الرّجعيّ إلى الجديد التّقدّميّ.

حكمت غصن

إنّ المقصود "بالقديم"، كما "بالجديد"، "نظام" قائم على علاقات تحكم البشر داخل مجتمع معيّن. هذه العلاقات ذات الطّابع الاجتماعيّ-الاقتصاديّ، ترتسم تبعًا لمصالح الطّرف المسيطر داخل هذا المجتمع، يرسمها هو بأداة تعرف باسم "السّياسة". وهذا الطّرف، يسخّر كلّ موارد هذا المجتمع والأرض الّتي يعيش عليها، لخدمة مصالحه والدّفاع عنها وتحصينها بوجه الأطراف الأخرى. إلّا أنّه ومهما بلغت قواه، فلا يمكنه أن يتخطّى حقيقة مادّيّة شديدة الوضوح: أنّه وإذا تناقضت مصالحه مع مصالح الأطراف الأخرى، إلى حدّ تهديدها بالموت، فإنّ هذه التّناقضات ستنفجر، لتعيد ترسيم نمط علاقات مختلف يحمي مصالح المنتصر في معركة إعادة ترسيم النّظام.

في لبنان الّذي يتخبّط منذ السّابع عشر من شهر تشرين الأوّل من العام ألفين وتسعة عشر، بلغ نمط العلاقات الّذي يخدم قلّة قليلة على حساب الأغلبيّة السّاحقة من الشّعب، واسمه "النّظام الرّأسماليّ النّيوليبراليّ"، بلغ ذروته بالتّناقض، حتّى انفجر على شكلين متوازيين: الأوّل هو انتفاضة شعبية واسعة، شكّلت حالة تاريخيّة لم يُشهد لها مثيل في هذا المجتمع، والثّاني هو أزمة ماليّة نهائيّة بدأت ملامحها تظهر بوضوح مع انهيار الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ وانحلال أجهزة الدّولة ومؤسّساتها.

لن ندخل بتفاصيل هذه الانتفاضة، إذ أنّ توثيقها وتحليلها يتطلّب مجلّدات، كما أنّ بعض التّفاصيل لا يعدو كونه قشور رمتها السّلطة الحاكمة لخلق شرخ وشكوك داخل انتفاضة النّاس الصّادقة. لكنّنا سنحاول العبور إلى بعض الظّواهر الاجتماعيّة الّتي يمكن أن تساهم برسم بعض القواعد لبناء نمط جديد من العلاقات الاقتصاديّة-الاجتماعيّة، علّها تترافق مع طرح سياسيّ يحمل رؤية وبرنامج لفرض مصالح أغلبيّة النّاس. هذا الطّرح السّياسيّ الّذي وبالمناسبة، تأخّر ولا يزال متأخّرًا على ما يبدو، عن تحمّل مسؤوليّة إعادة رسم النّظام بهدف سلخ المجتمع عن "القديم" المنهار وإنقاذه من السّقوط، إذ لا يتمّ ذلك إلّا عبر تأمين وجود "الجديد" والمساعدة على الانتقال إليه.

إنّ الكارثة الأساسيّة الّتي ستنتج عن انهيار الاقتصاد هي النّقص الحادّ بمختلف الحاجات الأساسيّة: الخبز والغذاء والمياه والكهرباء والمحروقات والطّبابة، وغيرها الكثير من الحاجات الّتي إن غابت، سينتج عنها كارثة إنسانيّة لا تحمد عقباها، كما قد ينتج معها ارتفاع في مستوى التّوتّر الاجتماعيّ والجريمة وفقدان الأمن والأمان والبؤس واليأس الّذي يتمظهر منذ فترة في ظاهرة الانتحار.

لكن ومن جانب آخر، فإنّ المحن تدفع أيضًا إلى رفع مستوى التّضامن والتّكافل الاجتماعيّ، خاصّةً وأنّ الكارثة ستطال الجميع (باستثناء مفتعليها، أي ناهبي ثروة المجتمع)، لذا سيحكُم النّاس شعور من الوحدة حول المأساة الواحدة، وسيدفع إلى وعي المصلحة الموحّدة الّتي لا بديل عنها، وبالتّالي ضرورة التّعاون للتّصدّي لمفاعيلها، وقد شهدنا نموذج مصغّر عن هذا التّعاون قبل يومين من اندلاع الانتفاضة، أي عند كارثة الحرائق الّتي طالت البلاد، إذ كان تعاون المواطنين بمختلف الأشكال، من المشاركة المباشرة في إخماد النّيران إلى المساندة اللّوجستيّة، نموذج عن تشكيل مبادرة شعبيّة تعاونيّة للتّصدّي للكارثة حينما عجزت أجهزة السّلطة عن القيام بذلك. وإن أردنا أن نتخيّل (وبشكل تبسيطيّ) هذا التّعاون في ظلّ أزمة شحّ الحاجات، فقد نرى على صعيد القرى والبلدات، أو المناطق والمدن، نوع من تنظيم شعبيّ للموارد والمسؤوليّات؛ فمن يملك بئر ماء، سيحاول تأمينها للقرية، مقابل من يستطيع تأمين بعض المنتوجات الغذائيّة من أرضه المزروعة أو تربية الدّواجن، إلى من سيقدّم المأوى لمن لم يعد قادر على دفع إيجار منزله، إلى المغترب الّذي يمتلك أرض قد يقدّمها للسّواعد المتطوّعة القادرة على حراثتها وزرعها وتوزيع منتوجها، وغيرها من الأشكال التّعاونيّة الّتي قد تتطوّر للوصول إلى نماذج لسلطات محلّيّة بديلة تقوم بتنظيم الموارد والطّاقات بحسب ما تقتضيه مصلحة المجتمع ككلّ، والّتي ستتقدّم على المصالح الفرديّة بحكم الضّرورة الملحّة والخيارات المحدودة أمام الجميع.

إنّ في هذه الظّاهرة المتوقّعة، والّتي بدأت ملامح لها تبرز في بعض المناطق، انفكاك عن مفهومين أساسيّين للنّيوليبراليّة؛ الأوّل هو الأنانيّة وتقديم المصلحة الفرديّة الضّيقة على مصلحة الجماعة، والثّاني هو مفهوم الملكيّة الخاصّة للموارد والثّروات. كما إنّ القاعدة الاقتصاديّة لهذا الشّكل من الظّواهر، لا يمكن أن تكون قائمة سوى على الإنتاج الزّراعيّ والحرفيّ، بالتّالي هنا، نجد انسلاخ آخر عن "القديم" اللّبنانيّ الّذي دمّر كلّ إنتاج وطنيّ وقام على الخدمات والرّيع وتوظيف المال الوهميّ لسرقة المزيد من المال من جيوب النّاس ووضعه في جيوب القلّة القليلة. في المقابل، لا يمكننا تخيّل نظام جديد دون اعتماده على الإنتاج، وعلى الإنتاج الزّراعيّ تحديدًا، إضافةً إلى أشكال إنتاجيّة أخرى قائمة على الابتكار والإبداع.

ومن الجدير بالذّكر، أنّ هذه الظّاهرة من التّعاون والتّكاتف، ستساهم ببناء صورة ثقافيّة جديدة مختلفة، أي هويّة وطنيّة، خصوصًا أنّ ولملامحها أثر تاريخيّ معروف، طبع هذا المجتمع في حقبات تاريخيّة ماضية شكّلت جزء كبير من التّراث. هذه الثّقافة، قدّ تتمكّن من الحلول مكان الميوعة الّتي نجح النّظام السّابق بفرضها على المجتمع بهدف إعاقة تطوّر وعي النّاس وتخديرها بأشكال مختلفة، إذ كما نجحت حلقات النّقاش والنّدوات الشّعبيّة في السّاحات العامّة ببرهنة القدرة على خلق بديل عن إعلام السّلطة، فسيشكّل العمل التّطوّعيّ والتّعاونيّ المنتج، مجال حقيقيّ لتعبئة الفراغ وتحقيق الدّور والتّأثير الاجتماعيّ وبناء علاقات إنسانيّة أكثر صدقًا، كما إنّه سيعيد توزيع الأدوار الاجتماعيّة بما فيها دور المرأة الّذي لا يمكن أن يكون إلّا أساس في عمليّة الإنتاج والتّعاون.

إنّ هذا الانسلاخ الّذي سيفرضه الأمر الواقع المتمثّل بالأزمة، سيخلق وعيّ جديد مختلف، ليثبت للمجتمع أنّ مفاهيم النّظام السّابق كانت غير نافعة، وأنّ هذا النّمط الإنتاجيّ التّعاونيّ العادل هو ما مكّن المجتمع من تأمين حدّ أدنى من الصّمود، لا بلّ حقّق بشكل عمليّ بوادر وأسس لبناء وحماية نظام جديد سيقوم على نفس تلك المبادئ، أي الإنتاج، والتّعاون، والعدالة الاجتماعيّة.

Wednesday, February 13, 2019

كسر التّبعيّة بين المركز الغربيّ والدّول الأطراف: بعض ملامح سقوط الأحاديّة والتّحوّل العالميّ



بعد تمظهر فشل النّموذج السّياسيّ-الاقتصاديّ في لبنان على مراحل مختلفة، وتفاقم أزمته مؤخّرًا، إلى حدّ لم يعد يمكن إخفاءه تحت الأقنعة التّقليديّة، كالمذهبيّة وضخّ الإعلام اليوميّ عن سجالات "٨ و١٤ آذار" مثلًا، بدأت أصوت الانتقاد والنّقد، على تنوّعها واختلافها، تعلو وتنتشر أكثر فأكثر بين المواطنين وضمن مختلف مكوّنات المجتمع. وكان أحد تجلّياتها حركة الشّارع المتقطّعة منذ عام ٢٠١١ إلى ما تشهده البلاد منذ أشهر.

حكمت غصن

إنّ أحد أبرز هذه الانتقادات، تأتي على شكل مفاهيم باتت منتشرة بين النّاس، منها القائل بأنّ لبنان "بلد تابع للخارج"، وآخر يعتبر أنّه "بلد مستورِد لكلّ شيء، ومُصدّر للشّباب". إنّ بين هاتين العبارتين ارتباطًا وثيقًا يمكن التّعبير من خلاله عن ملامح النّظام الاقتصاديّ والسّياسيّ اللّبنانيّ؛ نطام رأسماليّ غير منتج، قائم على الاستهلاك والرّيع، تابع للغرب عبر عدّة أشكال، أبرزها الدّين العام.

رغم اتّسامه بالطّائفيّة، فإنّ هذا النّظام الاقتصاديّ-السّياسيّ بمضمونه الرّأسماليّ التّابع، لا يقتصر على لبنان فحسب، بل هو نموذج للعديد من الدّول المعروفة بـ "الدّول الأطراف"، وهي الدّول الأقلّ تطوّرًا على صعيد الاقتصاد والمجتمع والتّكنولوجيا، والتّابعة لما يعرف بـ "دول المركز"، أي دول الغرب "المتقدّمة" اقتصاديًا وتكنولوجيًّا (أمّا اجتماعيًّا، فذلك يحمل الكثير من الجدل).

وقد مرّت التّبعيّة بين الأطراف والمركز بأشكال مختلفة تبعًا للمرحلة التّاريخيّة، من الاستعمار العسكريّ المباشر ونهب الثّروات والاستعباد، إلى التّبعيّة السّياسيّة بعد "الاستقلال"، عبر سيطرة حلفاء الغرب على السّلطة في الأطراف، ما سمح له، وعلى رأسه الولايات المتّحدة الأميركيّة، ولا سيّما بعد استئثارها بقيادة العالم بعيد سقوط المنظومة الاشتراكيّة بداية القرن الحاليّ، بفرض أشكال أخرى من الاستعمار، أبرزها الاقتصاديّ، وذلك عبر مراكمة الدّيون على الطّرف، وفتح أسواقه للاستهلاك وضرب منتوجه المحلّي. وقد استخدمت لذلك أدوات عديدة كصندوق النّقد الدّوليّ والبنك الدّوليّ، ومجلس الأمن وحلف شمال الأطلسيّ إذا ما دعت الحاجة.

ومن أوجه الاستعمار الجديد هو الاستعمار الثّقافيّ، والّذي تمثّل بالعولمة وضخّ نمط الحياة الأميركيّ بشتّى الوسائل (لا سيّما في الإعلام وبيع الأحلام-الأوهام، وعمل المنظّمات غير الحكوميّة أيضًا). إلّا أنّ المفصل الأساس للسّيطرة الثّقافيّة، فكان عبر الإمساك بالنّظام التّربويّ والتّعليميّ، إذ يَسهُل عبره ضخّ المفاهيم الّتي تخدم التّبعيّة والنّظام الرّأسماليّ بثقافته اللّيبراليّة، كما اللّغات وثقافات دول المركز.

لكن، وأبعد من ذلك، فإنّ تبعيّة مؤسّسات التّعليم العالي، أي الجامعات، فيمكن أن تدمج بين الاستعمار الثّقافيّ والاقتصاديّ في آن، إذ أنّها لا تقتصر على التّعليم فحسب، بل وعلى إنتاج القوى العاملة والتّكنولوجيا والتّقدم العلميّ، ما يجعلها أسيرة سياسات المركز الّذي يستفيد عبر تحديد المدى المتاح لنقل المعرفة والتّكنولوجيا إلى الأطراف بحسب ما تقتضيه مصالحه وحاجة سوقه الاستهلاكيّة من جهة، وعبر فرض مناهج تتناسب مع حاجات اقتصاده، وذلك استعدادًا لفرض الهجرة على القوّة العاملة والكادر المتخصّص، بهدف خدمة اقتصاده من جهة أخرى (وهنا ربّما نجد تفسيرًا للمنح الّتي سَمحت للعديد من الطّلبة اللّبنانيّين بالذّهاب والتّخصص في الغرب إبّان حقبة التّسعينيّات).

تفاقم الأزمة مركزًا وطرفًا.. ما الجديد؟

إنّ النّموذج "المركز-الطّرف" الّذي تحدّثنا عنه، بقي سائدًا في العالم، ودون منازع، حتّى عام ٢٠٠٨، حينما انفجرت أزمة وول ستريت، ولا زالت حتّى يومنا تفجّر تناقضات مستمرّة في دول الغرب، كما في الأطراف (كان أبرزها ما عرف بالرّبيع العربيّ). ولكن، كيف تتخلخل علاقات التّبعيّة شيئًا فشيء؟

أحد محاور هذا التّخلخل بدأ بتراجع الأرباح والقوّة الماليّة للعديد من الشّركات في الغرب، وإفلاس شركات كثيرة أخرى بسبب أزمة ٢٠٠٨ وتراجع القوّة الشّرائيّة لدى المواطنين الغربيّين على إثرها. انعكس ذلك تراجع كبير في فرص العمل، ما أثّر سلبًا على باب الهجرة، والّذي كان أحد أبرز الحلول لأزمة اليد العاملة في الأطراف، وبابًا مهمًّا من أبواب التّبعيّة الّذي تمّ إغلاقه شيئًا فشيء، ما أدّى إلى ارتفاع نسبة البطالة أكثر فأكثر، وبالتّالي ضعضعة تحمّل المواطنين لنظامهم وسلطاتهم، وبأشكال أكثر حدّيّة إثر ازدياد الضّغط الاجتماعيّ والفوارق الطّبقيّة.

وباستمرار التّراجع، بالتّوازي مع إصرار حكومات الغرب على الرّأسماليّة كنموذج، باتت هذه الأخيرة مضطرّة لتقديم الكثير من التّسهيلات للشّركات. بالمقابل، وبهدف تعويض كلفة هذه التّسهيلات، قامت بفرض سياسات "التّقشّف" وتخفيض دعم القطاع العام، لا سيّما القطاع الأكاديميّ، الّذي بات مهدّدًا في دولة كفرنسا مثلًا، إذ أدّى ذلك "التّقشّف" إلى انخفاض عدد المنح البحثيّة، كما فرض سياسة تحديد عدد الطّلّاب منذ مرحلة الإجازة عبر نظام التّرشّح والتّصفية. وقد كان آخر فصول هذا المسلسل، رفع رسوم التّسجيل على الطّلّاب الأجانب بمعدّل عشرة أضعاف الرّسوم السّابقة، ما شكّل كارثة لدى طلّاب الدّول الأطراف المرتبطة بفرنسا، كتونس والجزائر والمغرب وعدد كبير من دول أفريقيا، ولبنان طبعًا.

لكن، ومن جانب آخر، فإنّ هذا القطع للسّيطرة الأكاديميّة على الأطراف، والّذي تفرضه الأزمة والتّناقضات المتجذّرة في الرّأسماليّة وشكلها الأحاديّ العالميّ (واسمه "الإمبرياليّة")، سيكون ضربة مهمّة للتّبعيّة الاقتصاديّة والثّقافيّة، وبالتّالي لإحدى أهمّ آليّات السّيطرة الاستعماريّة الحديثة، أي لهذا النّموذج الّذي يعاني الانهيار المتسلسل منذ العام ٢٠٠٨، ولنمط علاقاته المتناقضة.

وماذا عن كسر الأحاديّة؟

إذا عدنا إلى المسألة الأكاديميّة على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ إغلاق باب الغرب أمام طلّاب الدّول الأطراف، سيجعل من الضّروريّ إيجاد حلّ لأعدادهم المتزايدة، وذلك يجب أن يكون عبر بناء مناهج تتناسب وبقاءهم في بلادهم، أي تلائم حاجات بلادهم، كما عبر بناء اقتصاد يؤمّن لهم حقّ العمل والاستمرار، أي اقتصاد منتج قادر على تأمين الاكتفاء الذّاتيّ وعلى توزيع الثّروة بشكل عادل ومتوازن. ويعني ذلك بالضّرورة، تغيير الأنظمة الرّأسماليّة التّابعة، وخلع السّلطات الّتي تحميها، وهذا التّغيير سيحصل بقوّة الفئات المتضرّرة حتمًا، أي الأكثريّة الشّعبيّة.

لكن، ومن ناحية أخرى قد لا تكون متناقضة، ربّما سنجد اتّجاه للطّلّاب إلى دول أخرى بديلة لا تنتمي لمحور الغرب، ألا وهي الدّول الصّاعدة الّتي بدأت بكسر أحاديّة الجانب الأميركيّ-الغربيّ، وأبرز هذه الدّول هي الصّين وروسيا. وقد لوحظت حركة متنامية للطّلّاب اللّبنانيّين في السّنوات الأخيرة نحو هذه الدّول، خصوصًا بعد تقديمها لعدد مهمّ من المنح الدّراسيّة والبحثيّة.

قد يعتبر البعض أنّ هذا الاتّجاه نحو الصّين وروسيا، لن يكون سوى سيناريو جديد لتبعيّة استعماريّة أخرى، وله الحق في اعتقاد ما يشاء، شرط قبول فتح النّقاش، الّذي قد يبدأ ببعض الأسئلة حول سياسات "التّعاون" كنقيض "للسّيطرة والنّهب"، وضرورتها في ظلّ التّأخّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ والتّقنيّ الحادّ لدى الأطراف. وقد تجلّى هذا النّموذج، بالمناسبة، في تجارب مختلفة، كان أبرزها بين الصّين وبعض الدّول الأفريقيّة، أو روسيا وأنغولا الّتي باتت أوّل دولة أفريقيّة تطلق قمرًا صناعيًّا بالتّعاون مع الرّوس (هل سمعنا يومًا بتعاون بين "ناسا" ودول حليفة للغرب ضمن مشروع مماثل؟).

ولكنّ الأهمّ بين الأسئلة، هو عن إمكانيّة إعادة إحياء نموذج "المركز-الطّرف"، الّذي بلغ ذروته في التّناقض حتّى تأزّم وتداعى، وها هو يوشك على السّقوط تمهيدًا للخروج من التّاريخ...


(المصدر: مجلّة "النّداء"، العدد ٣٥١، صفحة "رأي". ٨ شباط ٢٠١٩)

Tuesday, February 12, 2019

مجابهة التّحريف، في سبيل ضرورة التّغيير



نتناول في مقالنا هذا، جانباً من جوانب النّقاشات الّتي، وللأسف، لم تحسم حتّى اليوم، وذلك بعد مرور مئة عام على خوض أضخم التّجارب في تاريخ اليسار والشّيوعيّة. فلطالما كانت مسألة التّحريف السّياسيّ والفكريّ في اليسار، جدلاً يعود للبروز في أوساطه كما في أوساط المجتمع عند اشتداد تناقضات هذا الأخير، أي عند تأزّم النّظام السّائد. ولكن في حاضرنا اليوم، وبعد سيادة الضّخّ اللّيبراليّ لعقود في الفكر والثّقافة على كافّة المستويات، لا سيّما نمط العلاقات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والبروباغاندا، ينزلق هذا الجدل أحياناً في فخّ السّطحيّة السّائدة في محاولة لتفاديه سعياً نحو "العمل"، خصوصاً عند تشبيهه بصراعات إثنيّة أو طائفيّة مضى عليها الزّمن، أو عند ربطه بشخصيّات تاريخيّة باتت "في ديار الحقّ" على حدّ قول المبرّرين. إنّ هذه الانزلاقات تعطي لنقاشنا الحاليّ استثنائيّة ربّما تكون مرتبطة باستثنائيّة الأزمة الرّأسماليّة اليوم، والّتي بات واضحاً أنّ لا أفق لحلّها رأسمالياً.

حكمت غصن

إنّ مجابهة التّحريف في حاضرنا كما في كلّ لحظة، ضرورة في سبيل تصويب العمل السّياسيّ والفكر النّظريّ، بهدف خوض تجربة فاعلة نحو تغيير النّظام الرّأسماليّ السّائد، والّذي بات عقبة أمام تقدّم المجتمع البشريّ وخلاصه من نير الموت والدّمار والعبوديّة، عبر بناء البديل الاشتراكيّ القائم على التّوزيع العادل للثّروة والملكيّة العامّة لوسائل الإنتاج تمهيداً لتقدّم الإنسانيّة واحترام الإنسان كقيمة أساس. لذا، وبما أنّ التّغيير بات ضرورةً ملحّة، فإنّ فهم التّحريف وتعريته في سبيل مواجهته، لا يقلّ عن التّغيير أهمّيّةً، خصوصاً أنّه محور أساس في مجابهة التّسطيح، أي أحد أدوات الدّفاع الأيديولوجيّة للرّأسماليّة.

العدميّة

يرتبط هذه المصطلح، أو تطبيقه الفكريّ بالأحرى، بأغلب الحركات التّحريفيّة، من ليبراليّين وفوضويّين وطفوليّين. ذلك أنّ هذه الحركات، تعمد إلى ضرب المفاهيم الجذريّة والأسس النّظريّة عبر نقد هدّام مبني على فكرة القدرة على نقض كلّ الأفكار تحت حجّة "الجدليّة" أو أنّ "كلّ شيء نسبيّ" أو "متحرّك ومتغيّر"، ساعين طبعاً خلف تهديم المراجع الفكريّة الأساسيّة لفهم آليّات عمل النّظام الرّأسماليّ وكيفيّة ضربه تمهيداً لتغييره وبناء البديل، وذلك غالباً عبر تسطيح الأفكار وتفسيرها بغير سياقها، كما بتسخيفها لا سيّما عبر التّهكّم الّذي بات أداة فعّالة في ظلّ ميل النّاس لتنفيس الضّغط اليوميّ عبر بعض السّخرية.

بغضّ النّظر أنّ استخدام مصطلحات "الجدليّة" و "النّسبيّة" و "الحركة" يأتي في سياق مفكّك ومجرّد من الظّرف التّاريخيّ والواقع المادّيّ، يتناسى هؤلاء، وهم من يدّعون بشدّة "ارتكازهم إلى العلم"، أنّ الحقائق المادّيّة العلميّة هي واقع، أكان في علوم المادّة والطّبيعة، أم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة (بحسب الماركسيّة الّتي يدّعون أيضاً أنّهم من مناصريها). بذلك، ينطلقون في نقدهم باعتبار هذه الحقائق "نسبيّة" دون تحديد المرجع (ذلك أنّ النّسبيّة هي الرّؤية انطلاقاً من مرجعيّة)، أي ينطلقون من العدم، وإلى العدم، نافين بذلك مبدأ المرجع كما مبدأ التّراكم العلميّ والبحثيّ (وهو مبدأ أساس في البحوث العلميّة)، أو ينطلقون، دون الاعتراف، من الأحكام الذّاتيّة، وهذا ما يذكّرنا بفلسفة بيركلي المثاليّة القائمة على فكرة أنّ حياة كلّ إنسان هي أحلام يراها وحده ويصدّقها ولكنّها ليست واقع بل وهم في خياله. وعند السّقوط أمام أوّل سؤال أو نقاش، يلجؤون لما يسمّيه عالم النّفس الماركسيّ ويلهم رايش بـ "الآليّات الدّفاعيّة"، وهي أفكار يدرك الشّخص أحياناً أنّها غير واقعيّة، ولكنّه يضطرّ إلى تصديقها ليقنع نفسه أوّلاً وقبل أن يقنع الآخرين بأنّه غير مخطئ وأنّ كلامه منطقيّ، ليحافظ على كبريائه أمام نفسه، وفي جوهر الكبرياء يلوح شبح الذّاتيّة وتغيب الموضوعيّة الّتي غالباً ما يبدأ التّحريفيّين خطابهم بها بالمناسبة.

عالم المثل والظّرف التّاريخيّ

تتميّز الشّعارات المعلنة لهذا التّيّار السّياسيّ بالصّوت العذب وتحفيز المشاعر المرهفة عند سماعها، ذلك أنّها جذّابة كشعار "الحرّيّة" و "الدّيمقراطيّة" و "العدالة" و "الإخاء" وغيرها من شعارات الثّورة الفرنسيّة أو مراجع تاريخيّة مختلفة. لا شكّ أنّ هذه الشّعارات هي شعارات إنسانيّة محقّة، ذلك أنّ عذوبة صوتها ورهف المشاعر لا ينتج عن فراغ، بل عن حاجة المجتمع البشريّ الملحّة لتطبيق مبادئ مماثلة، هذه المبادئ الّتي اضمحلّت تحت نير النّظام الرّأسماليّ والاستعمار والعبوديّة. إلّا أنّ المشكلة لا تكمن في الشّعارات نفسها، بل في كيفيّة فهمها، طرحها، وبلوغها.

بما أنّ هذا التّيّار ينطلق من العدم كما ذكرنا آنفاً، فإنّ فهم هذه المبادئ مغلوط حكماً؛ على سبيل المثال، نلاحظ الدّعوة "للحرّيّة المطلقة" سعياً لتبرير أيّ تصرّف سياسيّ أو اجتماعيّ، متناسين أنّ الحرّيّة تشمل حرّيّة الآخر، أو بمعنى أدقّ، أنّ الحرّيّة الحقيقيّة هي حرّيّة جماعيّة وليست مجزّأة على الأفراد أو "الجماعات". كما أنّه لا يمكن فرض مفهوم "الحرّيّة الفرديّة"، وهو محقّ في بعض نواحيه، من خارج واقعه الاقتصاديّ الاجتماعيّ التّاريخيّ، خصوصاً في إطار العمل السّياسيّ وما يفرضه من أولويّات، فكما قال ماركس: "الحرّيّة هي معرفة الضّرورة". وهنا نلاحظ، كيف أنّ هذه التّيّارات، تعيش نظريّات فكريّة خارج الظّرف المادّيّ التّاريخيّ، وتطلق المواقف لتحكم من خارجه، بما في ذلك من تناقض مع الدّيالكتيك، كالمطالبة مثلاً ببعض الحرّيّات الفرديّة وبالمساواة الجزئيّة قبل تغيير نمط العلاقات الاقتصاديّ الاجتماعيّ المبني على القمع واللّا عدل، ويعني ذلك تبنّي الإصلاح لا التّغيير الجذريّ، فتحلّق في عالم مثلها وتنزلق في رؤيتها السّياسيّة المثاليّة غير القابلة للتّطبيق، وتنعزل في بوتقتها عن المجتمع الّذي يُفتَرض أنّها تدّعي الدّفاع عنه ودفعه نحو "التّقدّم"، وتصبح خارج التّأثير السّياسيّ وبالتّالي خارج حركة التّاريخ، ولهذا الخروج أمثلة تاريخيّة لا ريب فيها.

نمط العلاقات والرّجعيّة في المجتمع: السّبب أم النّتيجة؟

مجدّداً وفي إطار الانزلاقات المثاليّة في النّظريّة الفكريّة والعمل السّياسيّ، تغفل هذه التّيّارات عن حقيقة أنّ العادات والتّقاليد والمفاهيم الاجتماعيّة، تأتي نتيجة نمط علاقات الإنتاج الاقتصاديّة، ولهذه الحقيقة مراجع كثيرة عبر التّاريخ لا سيّما لدى ابن خلدون (وماركس طبعاً)، نشرح منها بعض المفاهيم انطلاقاً من واقعنا الحاليّ.

على سبيل المثال، إنّ المنافسة المبنيّة على تحقير الآخرين للتّفوّق عليهم، والّتي باتت تجتاح مجتمعنا، تأتي نتيجة محدوديّة وضيق "فرص العمل"، والبقاء للأكثر إقناعاً (أي تسويقاً لنفسه، وهنا يأتي مفهوم مرتبط وهو "النّرجسيّة")، فإذا ما أردنا الخروج من هذه المفاهيم، فمن الأفضل حلّ أساس المعضلة الكامن في قمع حقّ العمل، وهذا الحقّ لا يكتسب إلّا بتغيير النّظام الرّأسماليّ نحو نظام اشتراكيّ، وبالتّالي فإنّه لا يمكن محاربة هذه المنافسة عبر "نشاطات توعويّة" مهما كانت حديثة وجذّابة ومسليّة.

مثال آخر يطرح في هذا الإطار، وهو الكبت الاجتماعيّ، والّذي يقترح هذا التّيّار كسره بكسر المفاهيم الاجتماعيّة الرّجعيّة و "التّحرّر" (ولكن كيف؟ لا أحد يعلم). إنّ تغيير هذه المفاهيم الرّجعيّة لا يمكن تحقيقه إلّا بفهم أساسه، ألا وهو غياب دور الفرد الاجتماعيّ المنتج، حيث يسود الفراغ، ما يدفع الأفراد إلى سدّه عبر محاولة إيجاد دور اجتماعيّ في محيطهم (مثلاً، عندما يفرض الأهل خيار التّخصّص على أولادهم، فغالباً ما ينبع هذا الفرض من تعبئة فراغ الأهل في عدم قدرتهم هم على اختيار هذا الاختصاص أو ما يوازيه على المستوى الاجتماعيّ والمادّيّ، عندما كانوا في تلك المرحلة العمريّة نتيجة الحرب مثلاً). إنّ غياب الدّور المنتج والقيمة الاجتماعيّة للفرد، هو سمة من سمات النّظام الرّأسماليّ، وهنا أيضاً نعود لنقول أنّ التّحرّر الاجتماعيّ لا يمكن أن يحصل في ظلّ اللّيبراليّة، فـ "التّحرّر الجنسيّ" لن يعوّض العلاقة الحقيقيّة الرّوحيّة بالآخر ولو تمّ إرفاقه بقوانين ومفاهيم إنسانيّة (لا يختلف مبدأها في هذا الإطار عن فكرة الشّريعة والدّين)، بل سيعوّضه تعبئة الفراغ بالدّور المنتج وعلاقات حقيقيّة مبنيّة على أساس هذا الدّور بين البشر.

إنّ هذه الأمثلة توضّح كيف أنّ هذا التّيّار، يذهب في محاولته لمعالجة النّتيجة وإغفال السّبب الكامن خلفها، وهذا ما تشتهر به بالمناسبة، السّلطة اللّبنانيّة مثلاً. كما يغفل عن هذا التّيّار في التّكتيكات السّياسيّة (الّتي قلّ ما امتلك الكفاءة فيها)، أنّ القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة الّتي تطال جميع الفئات المستَغلّة بمختلف انتماءاتها الأيديولوجيّة والثّقافيّة لتجمعها حول مصالحها، هذه القضايا هي الخاصرة الرّخوة للنّظام، أمّا تصويب السّهام على عادات النّاس وتقاليدها والّتي تعتبر من أسس شخصيّتها الاجتماعيّة، هو السّدّ المنيع أو فرصة النّظام للهجوم المضادّ. وما أصعب تحطيم أفكار النّاس المثاليّة أمام دفعهم لتحقيق مصالحهم المادّيّة والمراكمة السّياسيّة من خلالها، وما أسهل تغيير النّتيجة عند معالجة السّبب...


(المصدر: مجلّة "النّداء"، العدد ٣٢٤، صفحة "رأي". ٢٧ تشرين الأوّل ٢٠١٧)

Wednesday, December 5, 2018

مروى صعب - فقط عندما

الصّورة: ميلاد لمع

فقط عندما...

عندما تتغيّر العلاقات العائلية في المنزل، من رجل (أبّ أو أخّ أكبر) يقرّر مصير حياة باقي الأسرة، أمّ تعمل على ضمان صحّتهم، وأولاد يمارسون وصاية الأهل. عندما تتغيّر وظيفة المرأة من زوجة، وأمّ، ومربّية. عندما يتغيّر معنى كلمة أمومة ليشمل حقّ الأب في التّربية. عندما تنفصل الملكيّة عن الحب. عندما يصبح اسم العائلة فقط للأوراق الشّخصيّة. عندما يصبح الجنس طريقة من طرق التّعبير عن الشّعور لا يمكن أن تعبّر إلّا من خلاله. عندما يصبح غشاء البكارة نسيج في الجسم. عندما تنفصل كلمة مؤسّسة عن المؤسّسة الزّوجيّة. عندما ينفصل المحبس، والذّهب، والمنزل، عن الرّجل. عندما ينفصل الحبّ عن الاستغلال. عندما تصبح قيادة السّيارة هي وسيلة للوصول إلى مكان ما. عندما يصبح العلم وسيلة للمعرفة وللتّطوّر. عندما يصبح المنزل مكانًا للاسترخاء وليس للواجبات. عندما يكون العمل مكانًا تعكس فيه ما تجيده. عندما تصبح التّنّورة مجرّد شكل أو نوع من الثّياب. عندما تفقد كلمة واجبات منزليّة واجباتها. عندما تنفصل كلمات مثل "الدّعارة" عن المؤنّث. عندما يكون الأهمّ في أيّ إنسان نظرته وعلاقته مع محيطه. عندما يقاس الإنسان بما يستطيع تقديمه. عندما توجد الألوان لتجميل الأشياء. عندما يصبح الأهل، الأصدقاء، الأبناء، الأقارب، الجيران، والنّاس، مكمّل ومساعد في حياتنا. عندما نستطيع التّعبير الصّادق عن مشاعرنا. عندما تصبح الموسيقى، اللّوحات، التّماثيل، المختبرات، الكتب، المقالات، الأشعار، الأبنية، المأكولات، الطّرقات، المفروشات، والثّياب، الأشجار، كرة القدم، إبداع. عندما يصبح الإبداع من حقّ الجميع. عندما تعني كلمة استقلاليّة حرّيّة، عندما تكون الحرّيّة في الوجود.

فقط عند قطع علاقاتنا اليوميّة المشبوهة يمكننا التّحرّر من المعاناة. يمكننا المطالبة بحقوقنا. يمكننا إعادة الاعتبار للمرأة على أنّها جزء من هذا المجتمع. لا تقاس بالنّسب أو الأرقام. وظيفتها كوظيفة أيّ فرد آخر في المجتمع. كيانها وشخصيّتها مثل كيان أو شخصيّة أيّ فرد آخر في أيّ مجتمع. أي عند اعتبار معاناة وتغييب المرأة جزء من معاناة وتغييب الإنسان. عندما تعي المرأة أنّ تحرّرها غير منفصل عن تحرّر الإنسان، من الاستغلال، التّبعيّة، والقمع، الّذي يمارسه يوميًا نظام يعكس فكرًا. يرى النّاس أرقام، يحوّلهم إلى كسالى، لكلٍّ وظيفته على ألّا تتعدّى ما هو مطلوب منه لضمان بقيّة علاقات الإنتاج الموجودة. حتّى لو أنّ وظيفة الفئة الأكبر هي الموت.

قانون حماية المرأة من العنف الأسريّ، قانون منحها الجنسيّة لأولادها وزوجها، قانون تحريم زواج القاصرات، وأيّ قانون لا يمسّ السّبب الرّئيسيّ في معاناة الإنسان الحاليّة، لا يمكن أن يعيد الاعتبار إلى المرأة أو الرّجل في الحياة والكرامة. والسّبب يرجع إلى وجود فكر يحوّل العلاقات بين النّاس إلى علاقات تجاريّة بين بائعٍ وشاري، مبنيّة على المصالح وليس المصالح المشتركة.

فقط عند القطع مع هذه العلاقات الّتي يولّدها النّظام ليحكمنا، يمكن تحرير المرأة والرّجل والإنسان من عبوديّته. من قمعه ومعاناته اليوميّة. من تحويله إلى آلة تستعمل عند الحاجة، ولحاجات معيّنة، إلى وجود بكيانه المستقل.


مروى صعب. مجلّة "عين الشّباب"، العدد ١٠. نيسان ٢٠١٤.

Thursday, March 8, 2018

لينين عن المرأة

كان موقف النّساء البروليتاريات رائعًا. فلولاهنّ لكان من المحتمل جدًا ألّا ننتصر

كثيرًا ما حدّثني الرّفيق لينين عن مسألة المرأة. وكان يعلّق على هذه المسألة أهمّيّة كبيرة، لأنّ الحركة النّسويّة كانت في نظره جزءًا أساسيًّا، وفي بعض الظّروف، جزءًا حاسمًا من حركة الجماهير. وغني عن البيان أنّه كان يعتبر مساواة المرأة التّامة مبدأ لا جدال حوله من مبادئ الشّيوعيّة. ولقد جرى أوّل حديث مطوّل بيننا حول هذا الموضوع في خريف 1920 في مكتب عمله بالكرملين، كان لينين جالسًا أمام طاولته الّتي تكدّست عليها الكتب والأوراق الشّاهدة على نوع انشغاله وعمله، لكن من دون تلك "الفوضى المميّزة للعباقرة" وبعد أن حيّاني شرع يقول:

"أنّ من أوّل واجباتنا أن نخلق حركة نسويّة عالميّة، قائمة على أساس نظريّ واضح ومحدّد. وبديهيّ أنّه لا يمكن أن توجد ممارسة حسنة بدون نظريّة ماركسيّة، وعلينا، نحن الشّيوعيّين، أن نتمسّك في هذه المسألة بكلّ نقاوة مبادئنا. علينا أن ننفصل انفصالًا صريحًا عن جميع الأحزاب الأخرى. ومن المؤسف أنّ مؤتمرنا الأمميّ الثّاني لم يكرّس وقتًا لمناقشة المسألة النّسويّة أو لاتّخاذ موقف بصددها بالرّغم من أنّ هذه المسألة قد طُرحت على بساط البحث. والخطأ في ذلك يقع على كاهل اللّجنة الّتي تترك الأمور تجرجر أذيالها. إنّ على اللّجنة أن تضع صيغة قرار وموضوعات، وخطًا حازمًا. لكنّ أعمالها لم تتقدّم حتى اليوم وعليك أن تساعديها في ذلك".

كان قد سبق لي أن سمعت كلامًا يشبه ما يقوله لينين لي الآن، وأبديت له اندهاشي. كنت متحمّسة لكلّ ما أنجزَته النّساء الرّوسيّات أثناء الثّورة، ولكلّ ما هنّ في سبيلهنّ إلى إنجازه للدّفاع عنها وتطويرها. أمّا عن وضع النّساء ونشاطهنّ في الحزب البلشفيّ، فقد كان يخيل إليّ أنّ الحزب هو فعلًا على مستوى مسؤوليّته في هذه المسألة المحدّدة. فالحزب البلشفيّ هو وحده الّذي يعطي الحركة النّسويّة الشّيوعيّة العالميّة ملاكات متمرّسة، مثقّفة، ويقدّم في الوقت نفسه قدوةً تاريخيّةً كبرى. وقد لاحظ لينين وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة:

"هذا صحيح، صحيح تمامًا. ففي بتروغراد، وهنا في موسكو، وفي المدن والمراكز الصّناعيّة النّائية، كان موقف النّساء البروليتاريات رائعًا. فلولاهنّ لكان من المحتمل جدًا ألّا ننتصر. هذا هو رأيي، يا للشّجاعة الّتي برهنّ عليها ويا للشّجاعة الّتي ما زلن يبدينها إلى اليوم! تصوّري كلّ الآلام والحرمان الّذي يكابدن منه… لكنّهنّ رابطات الجأش، مصمّمات، لأنّهنّ يحامين عن السّوفيتات، لأنّهنّ يردن الحرّيّة والشّيوعيّة.

أجل، إنّ عاملاتنا لرائعات، مناضلات طبقيّات حقيقيّات. إنّهنّ جديرات بإعجابنا وحبّنا.

أجل إنّ لدينا في حزبنا نساء شيوعيّات موثوقات وذكيّات نشيطات بشكل لا يعرف الكلل. وفي وسعهنّ أن يشغلن مناصب هامّة في السّوفيتات واللّجان التّنفيذيّة ومفوّضيّات الشّعب والإدارة. والكثيرات منهنّ يعملن ليل نهار في الحزب، أو بين الجماهير البروليتاريّة والفلّاحيّة، أو في الجيش الأحمر. وهذا شيء ثمين للغاية بالنّسبة إلينا. وهذا شيء هام بالنّسبة إلى نساء العالم قاطبة لأنّه شهادة على طاقات النّساء وعلى قيمة عملهنّ الرّفيعة بالنّسبة إلى المجتمع.

إنّ ديكتاتوريّة البروليتاريا الأولى تشقّ الطّريق فعلًا نحو المساواة الاجتماعيّة التّامّة للمرأة. فهي تستأصل شأفة الآراء المسبقة على نحو أكثر جذريّة بكثير ممّا تفعله الكتابات عن المساواة النّسائيّة. وبالرّغم من هذا كلّه، فإنّنا لا نملك بعد حركة نسوية عالميّة، وعلينا أن نتوصّل إلى إنشائها بأيّ ثمن. علينا أن نعمل على تنظيمها بدون أي تأخّر. وبدون هذه الحركة سيكون عمل أمميّتنا وشعبها ناقصًا وسيبقى ناقصًا.

إنّ علينا أن نتابع عملنا الثّوريّ حتى النّهاية. قولي لي أين وصل العمل الشّيوعيّ في البلدان الأجنبيّة؟"

أطلعته على جميع المعلومات الّتي أمكنني جمعها، وكانت معلومات محدودة نظرًا إلى الصّلة الواهية واللّا نظاميّة الّتي كانت قائمة آنذاك بين الأحزاب المنتمية إلى الأمية الشّيوعيّة. وكان لينين، المنحني قليلًا إلى الأمام، يصغي إليّ بانتباه، من دون أن تصدر منه أمارة من أمارات السّأم أو قلّة الصّبر أو التّعب، بل وكان يهتمّ شديد الاهتمام حتّى بالتّفاصيل الثّانويّة الأهميّة.

إنّني لا أعرف شخصًا أكثر مقدرة منه على الإصغاء وعلى تصنيف الوقائع وتنسيقها بمثل تلك السّرعة. وكان هذا واضحًا من الأسئلة المقتضبة، لكن البالغة التّحديد دومًا، الّتي كان يطرحها بين الفينة والفينة أثناء حديثي، ومن طريقته في الرّجوع فيما بعد إلى تفاصيل محادثتنا. وكان لينين قد سجّل بعض الملاحظات المقتضبة.

وغني عن البيان أنّني تكلّمت بوجه خاصّ عن الوضع في ألمانيا. وقد قلت له أنّ روزا لكسمبورغ تقدّر أنّه من بالغ الأهمّيّة كسب الجماهير النّسائيّة للنّضال الثّوريّ، فعندما شُكّل الحزب الشّيوعيّ ألحّت روزا على نشر صحيفة مكرّسة للحركة النّسويّة. وعندما كان ليو جوغيشيس يدرس معي خطّة عمل الحزب أثناء مقابلتنا الأخيرة، قبل ستّ وثلاثين ساعة من اغتياله، ويطلعني على المهام الواجب تنفيذها، أطلعني أيضًا على خطّة لعمل منظّم بين العاملات. وقد عولجَت هذه المسألة منذ المؤتمر الأوّل غير المشروع للحزب، وقد باشر الحزب عملًا منهجيًّا بين العاملات. وصحيح أنّنا في البداية، لكنّها بداية حسنة.

وقال لينين:

"هذا ليس بالشّيء السّيء، ليس بالشّيء السّيء البتّة، لكنّني سمعت، بالمناسبة، رفيقات روسيّات وألمانيّات يتفوّهن بأشياء غريبة. ويجب أن أقصّ عليك الأمر. لقد رُوي لي أنّ شيوعيّة موهوبة للغاية تطبع في هامبورغ صحيفة للبغايا وتحاول أن تنظمهنّ للنّضال الثّوريّ. ولقد تصرّفت روزا بوصفها شيوعيّة، على نحو إنسانيّ عندما كتبت مقالًا دافعت فيه عن إحدى البغايا السّجينات لانتهاكها بعض قوانين الشّرطة المتعلّقة بمهنتها المحزنة. والحق أنّ البغايا، ضحايا المجتمع البرجوازيّ مرتين، جديرات بالرّثاء. إنّهنّ أوّلًا، ضحايا نظام الملكيّة اللّعين، وثانيًا، ضحايا الرّياء الأخلاقيّ اللّعين. هذا واضح. وأجلاف القلوب وحسيرو العيون هم وحدهم اللّذين يتناسون ذلك.

ولكن أليس في ألمانيا عاملات صناعيّات ينبغي تنظيمهنّ؟ ينبغي طبع جريدة لهنّ؟ ينبغي جرهنّ إلى النّضال؟ إنّ هذا لانحراف مرضيّ. وإنه ليذكّرني بالصّرعة الأدبيّة الّتي تجعل من كلّ بغي سيّدة عذراء وديعة. وصحيح أنّ "الجذر" كان هنا أيضًا سليمًا؛ الإشفاق الاجتماعيّ، استنكار الرّياء والبورجوازيّة المحترمة. لكنّ هذا الجذر السّليم قد زوى بعد أن انتقلت إليه العدوى البورجوازيّة. فالبغاء في بلدنا أيضًا سيطرح أمامنا مشكلات عديدة صعبة الحلّ والمطلوب هو إعادة البغي إلى العمل المنتج، وتمكينها من أخذ مكانها في الاقتصاد الاجتماعيّ، وهذا أمر معقّد وصعب التّحقيق في الحالة الرّاهنة لاقتصادنا وفي الشّروط الحاضرة. ذلك هو أحد جوانب المشكلة النّسوية الّتي تنطرح علينا بكلّ سعتها طالبةً الحلّ. وهذه المشكلة بعيدة عن أن تكون قد سوّيت بعد في روسيا السّوفياتيّة. ولكن لنعد إلى حالتكم الخاصّة في ألمانيا. إنّ الحزب لا يستطيع، في أيّ حالٍ من الأحوال، أن يغضّ النّظر عن مثل هذه الأعمال غير المنظّمة من جانب أعضائه. فهذا يزرع الالتباس في الأمور ويضعف قوانا.

وأنتِ، ماذا فعلتِ حتى تحولي دون ذلك؟"

ومن غير أن ينتظر لينين جوابي تابع:

"إنّ لائحة أخطائك، يا كلارا، لم تنفد بعد. فقد سمعت أنّك تهتمّين بوجه خاص، في أمسيات المطالعة والنّقاش مع العاملات، بمسائل الجنس والزّواج. سمعت أنّ هذا الموضوع يحتلّ مركز المحور في اهتماماتك وتعليمك السّياسيّ وعملك التّربويّ. والحقّ أنّني لم أصدّق أذني.

إنّ دولة دكتاتوريّة البروليتاريا الأولى تكافح ضدّ جميع مناهضي الثّورة في العالم. ووضع ألمانيا بالذّات يستدعي أكبر التّلاحم بين جميع القوى الثّوريّة البروليتاريّة لردّ هجمات الثّورة المضادّة الّتي لا تني تزداد قوّة. والحال أنّ الشّيوعيّات النّشيطات يعالجن أثناء ذلك مسألة الجنس وأشكال الزّواج في الماضي والحاضر والمستقبل. ويقدّرن أنّ واجبهنّ الأوّل هو تثقيف العاملات بمثل هذه الأفكار. وممّا يزعم أنّ كرّاسة إحدى الشّيوعيّات الفيينّاويّات عن المسألة الجنسيّة تتمتّع بانتشار واسع جدًا. يا لبلاهة هذه الكرّاسة، فالقليل من المفاهيم الصّحيحة الّتي تشتمل عليها، سبق للعاملات أن اطّلعن عليها من "بيبل"، وهذا ليس في شكل مخطّط جافّ ومملّ كما في تلك الكرّاسة، وإنّما في شكل دعاية تأخذ عليك لبك، دعاية مليئة بالهجمات على المجتمع البرجوازيّ. وفرضيّات فرويد الواردة في الكرّاسة المذكورة تعطي الكتاب، على حدّ ما يزعم، طابعًا "علميًّا"، لكنّه ليس في الواقع سوى خربشة بدائيّة. ونظريّة فرويد لم تعد اليوم هي نفسها سوى نزوة من نزوات الموضة. إنّني لا أثق البتّة بتلك النّظريّات الجنسيّة المعروضة في مقالات وتقارير وكرّاسات، وباختصار في ذلك الأدب النّوعيّ الّذي ازدهر بغزارة في تربة المجتمع البرجوازيّ. وأنّني لا أرتاب في أولئك الّذين تشغلهم باستمرار وعناد مسائل الجنس، مثلهم مثل الفقير الهنديّ، في تأمّله سَرّته.

إنّه ليخيل إليّ أنّ هذه الوفرة من النّظريّات الجنسيّة الّتي ليست في معظمها سوى فرضيّات تعسفيّة تنبع من ضرورات شخصيّة تمامًا، أي من حاجة المرء إلى تبرير حياته الشّاذّة أو غرائزه الجنسيّة المشتطّة في نظر الأخلاق البورجوازيّة وإلى استصدار قرار بالعفو عنها.

إنّ هذا الاحترام المستتر للأخلاق البورجوازيّة يثير اشمئزازي بقدر ما يثيره ذلك التّحمّس للمسائل الجنسيّة. وهذا الاهتمام، مهما اتّخذ من أشكال هدّامة وثوريّة، يظلّ في خاتمة المطاف اهتمامًا بورجوازيًّا خالصًا. وأولئك الّذين يؤثرون الانصراف إليه هم المثقّفون وسائر فئات المجتمع القريبة منهم. ولا مكان البتّة لهذا النّوع من الاهتمامات في الحزب وفي أوساط البروليتاريا المناضلة والواعية لروحها الطّبقيّة.

وقد لاحظت بدوري أنّ المسائل الجنسيّة والزّوجيّة في ظلّ نظام الملكيّة الخاصّة تثير مشكلات عدّة، وأنّها أحد أسباب الصّراع والألم بالنّسبة إلى النّساء من جميع الطّبقات والفئات الاجتماعيّة. وقلت أنّ الحرب ونتائجها قد ضاعفت بالنّسبة إلى المرأة من شأن الصّراع والألم الّلذين كانت تنطوي عليهما في السّابق العلاقات بين الجنسين. فالمشكلات الّتي كانت مستثيرة حتّى الآن تُكشفت لأنظار النّساء، وهذا في مناخ الثّورة الّتي هلّت بشائرها. وعالم العواطف القديمة والأفكار القديمة يتداعى من كلّ جانب. والرّوابط الاجتماعيّة الماضية تضعف وتتحطّم. وتظهر إلى الوجود بذور منطلقات أيديولوجيّة جديدة، لم يتحدّد شكلها بعد، للعلاقات بين البشر. وما تثيره هذه المسائل من اهتمام يجد تفسيره في الحاجة إلى اتّجاه جديد. وهنا يبرز أيضًا ردّ الفعل على تشويهات المجتمع البورجوازيّ وأكاذيبه. وتبدّل الأشكال الزّوجيّة والعائليّة على مرّ التّاريخ، من خلال ارتباطها بما هو اقتصاديّ، يشكّل وسيلة حسنة لاستئصال جذور الإيمان بخلود المجتمع البورجوازيّ من أذهان العائلات. والنّقد البورجوازيّ لهذا المجتمع يجب أن يؤدّي إلى تقطيع أوصال النّظام البورجوازيّ وإلى تعرية ماهيّته ونتائجه وإلى فضح الأخلاق الجنسيّة الزّائفة. الطّرق جميعها تفضي إلى روما. وكلّ تحليل ماركسيّ يتعلّق بجزء هامّ من بنية المجتمع الفوقيّة الأيديولوجيّة أو بظاهرة بارزة يجب أن يقود إلى تحليل النّظام البورجوازيّ، وأساسه الملكيّة الخاصّة. وكلّ تحليل من هذه التّحاليل يجب أن يقود إلى الاستنتاج التّالي:

"ينبغي أن تُهدم قرطاجة"."

كان لينين يبتسم وهو يهزّ رأسه:

"حسنًا، إنّه لتبدو عليكِ سيماء المحامي الّذي يدافع عن رفاقه وحزبه. يقينا، أنّ ما تقولينه هنا لصحيح. لكنّ أكثر ما بوسع هذا الكلام هو أن يعذر الغلطة المقترفة في ألمانيا، لا أن يبرّرها. إنّ الغلطة المقترفة تظلّ غلطة. هل تستطيعين أن تضمني لي جدّيًّا أنّ المسائل الجنسيّة والزّوجيّة لا تناقش في اجتماعاتكم إلّا من وجهة النّظر المادّيّة التّاريخيّة الحيويّة المفهومة فهمًا حسنًا؟ إنّ هذا لا يفترض معارف واسعة، معمّقة، المعرفة الماركسيّة، الواضحة المحدّدة، بجملة هائلة من المواد. هل تملكون في الوقت الرّاهن القوى الضّروريّة؟ لو كان الجواب نعم، لما كان أمكن أن تستخدم كرّاسة كتلك الّتي تحدّثنا عنها كمادّة للتّعليم في أمسيات المطالعة والنّقاش لديكم. وأنتم توصّون بهذه الكرّاسة وتوزّعونها بدلًا من أن تنقدوها. إلى ما يؤدّي، في خاتمة المطاف، هذا الدّرس النّاقص وغير الماركسيّ للمسألة؟ إنّه يؤدّي إلى عدم فهم المسائل الجنسيّة والزّوجيّة بوصفها جزءًا من المسألة الاجتماعيّة الرّئيسيّة بل يؤدّي على العكس إلى أن تبدو المشكلة الاجتماعيّة الكبرى نفسها وكأنّها جزء من المشكلة الجنسيّة واستطالةً لها. وهكذا يتراجع ما هو رئيسيّ إلى الخلف كأنّه ثانويّ، وهذا لا يضرّ بوضوح المسألة فحسب، بل يشوّش أيضًا الفكر بشكل عام ووعي العاملات الطّبقيّ.

وثمّة ملاحظة أخرى لا تخلو من الفائدة. لقد كان سليمان الحكيم يقول: "كلّ شيءٍ في وقته". فقولي لي أرجوك، هل هذا هو الوقت المناسب لإشغال العاملات طوال أشهر كاملة لتحدّثيهن عن الطّريقة الّتي يحبّ بها المرء ويحَب، أو عن كيفيّة المغازلة لدى الشّعوب المختلفة في الماضي والحاضر والمستقبل؟ وهل هذا هو ما يسمّى بفخر بالمادّيّة التّاريخيّة؟ إنّ كلّ أفكار العاملات يجب أن تكون موجّهة الآن نحو الثّورة البروليتاريّة. فهذه الثّورة هي الّتي ستخلق أيضًا أساسًا لشروط الزّواج الجديدة وللعلاقات الجديدة بين الجنسين. أمّا في الوقت الحاضر فيجب أن تحتلّ المقام الأوّل مشكلات أخرى غير تلك الّتي تتعلّق بأشكال الزّواج لدى زنوج أستراليا أو الزّيجات المعقودة بين أعضاء الأسرة في العصور القديمة.

إنّ التّاريخ يضع في جدول أعمال البروليتاريا الألمانيّة مسألة السّوفيتات ومعاهدة فيرساي وتأثيرها على حياة الجماهير النّسائيّة ومسألة البطالة وانخفاض الأجور والضّرائب وغيرها من المسائل الهامّة. وباختصار، لقد كان رأيي دومًا أنّ هذا النّمط من التّثقيف السّياسيّ والاجتماعيّ للعاملات ليس هو البتّة النّمط الواجب. كيف أمكنك أن تلزمي الصّمت؟ لقد كان عليك أن تستخدمي نفوذك"

وشرَحتُ لصديقي المحتدم أنّني لم أفوّت قط أي مناسبة للنّقد والرّد على الرّفيقات القياديّات، ولا سماع صوتي في شتّى المناسبات، بيد أنّ عليه أن يعلم أنّ ما من نبيّ في وطنه ولا بين أقاربه، وقد أثرت، بانتقاداتي هذه، الشّكوك حول بقائي وفيّة لمخلّفات النّزعة الاشتراكيّة – الدّيمقراطيّة، والرّوح البورجوازيّة الصّغيرة الفائت أوانها. بيد أن انتقاداتي أتت ثمارها في خاتمة المطاف. فمسائل الجنس والزّواج لم تعد تعتبر هي الرّئيسيّة في حلقاتنا وأمسياتنا.

وتابع لينين عرض فكرته قائلًا: "إنّني أعرف، أعرف أنّ الشّكوك تثار حولي أنا أيضًا بأنّني لا أفقه في مسائل العصر الحديث. لكنّ هذا لا يثير انفعالي. فالجهلاء والبليدون من الشّبان ما يكادون يخرجون من بيضة التّصوّرات البورجوازيّة حتّى يتصوّروا أنفسهم غايةً في الفهم والذّكاء. والحقّ أنّ حركة الشّباب قد انتقلت إليها هي أيضًا عدوى الاتجاه الحديث والانحسار المشتط بالمسائل الجنسيّة".

وقد شدّد لينين بسخرية على كلمة "الحديث" وأضاف مستنكرًا:

لقد قيل لي أنّ المشكلات الجنسيّة هي أيضًا الموضوع المحبّذ للدّراسة في منظّمات الشّبيبة لديكم. وما أكثر المحاضرين في هذا الموضوع وهذا شيء مثير للاستنكار وخطِر للغاية بالنّسبة إلى حركة الشّبيبة. فهذه المواضيع تستطيع بسهولة أن تساهم في إثارة وحفز حياة بعض الأفراد الجنسيّة وفي هدم صحّة وقوى الشّبيبة. إنّ عليك أن تناضلي ضدّ هذه الظّاهرة أيضًا. ذلك أنّ بين حركة النّساء وحركة الشّبيبة نقاط اتّصال عديدة. إنّ على رفيقاتنا الشّيوعيّات أن يشتركن مع الشّبيبة في كلّ مكان في عمل منهجيّ. وسيكون من أثر ذلك رفعهنّ ونقلهنّ من عالم الأمومة الفرديّة إلى عالم الأمومة الاجتماعيّة. ومن الأهمّيّة بما كان المساهمة في كلّ يقظة للحياة الاجتماعيّة والنّشاط لدى المرأة، حتى تتمكّن من الارتفاع بنفسها فوق العقليّة الضّيّقة، البورجوازيّة الصّغيرة، الفرديّة النّزعة لحياتها المنزليّة والعائليّة. إنّ قسمًا كبيرًا من شبيبتنا نحن أيضًا يعمل مثابرًا على إعادة النّظر في التّصوّر البورجوازيّ عن "الأخلاق" في المشكلات الجنسيّة، وإنّها، يجب أن أقول ذلك، نخبة شبيبتنا، النّخبة الحافلة بالوعود الكثيرة حقًّا. وكما قلت، فإنّ القيم الأيديولوجيّة القديمة تنهار في المناخ الّذي ولّدته الحرب وبداية الثّورة، وتفقد القوى الّتي كانت تسندها. والقيم الجديدة لا تتبلور إلّا ببطء وبالنّضال.

إنّ التّصوّرات عن العلاقات بين الرّجال والنّساء قد انقلبت شأنها شأن العواطف والأفكار. ومن جديد بدأ تحديد حقوق الفرد وحقوق الجماعة، بالتّالي واجبات الفرد. وإنّ هذه لصيرورة، بطيئة ومؤلمة في غالب الأحيان، من الاضمحلال والولادة. وهذا ينطبق أيضًا على ميدان العلاقات الجنسيّة فيما يتعلّق بالزّواج والأسرة. إنّ انحطاط الزّواج البورجوازيّ وتعفّنه ووحله، مع مصاعب فسخه وحرّيّة الزّوج وعبوديّة المرأة، والكذب الدّنيء الّذي تنطوي عليه الأخلاق الجنسيّة والعلاقات الجنسيّة، إنّ هذا كلّه يثرُ لدى أفاضل النّاس شعورًا بالقرف العميق.

إنّ النّير الّذي تغلّ به قوانين الدّولة البورجوازيّة الزّواج والأسرة يزيد أيضًا من استفحال الدّاء ومن حدّة التّناقضات. إنّه نير عدم جواز انتهاك حرمة الملكيّة الخاصّة الّذي يضفي طابعًا شرعيًّا على الخِسّة والقدارة وقابليّة كلّ شيء للشّراء بالمال، بالإضافة إلى كذب مواضعات المجتمع البورجوازيّ المحترم. إنّ النّاس يثورون على تشويهات الطّبيعة هذه. وفي العصر الّذي تنهار فيه الدّول القويّة تتلاشى أشكال السّيطرة القديمة ويفنى عالمٌ اجتماعيٌّ كامل، تتبدّل عواطف الفرد المعزول بسرعة.

"إنّ الظّمأ اللّجوج إلى مسرّات متنوّعة يكتسِب بسهولة قوّة لا تقاوم. وأشكال الزّواج والعلاقات بين الجنسين بالمعنى البورجوازيّ لا تعود مُرضية. إنّ ثورة في هذا المجال تقترب مع اقتراب الثّورة البروليتاريّة. ومن المفهوم أنّ هذه المجموعة البالغة التّعقيد من المسائل تشغل اهتمام النّاس والشّبيبة على حدٍّ سواء. فالنّساء والشّبيبة يشكون من هذا الاختلاط واللّبس في العلاقات الجنسيّة والشّبيبة تحتجّ على وضع الاشياء هذا بالحماسة واللّجبة المميّزتين لهذه السّن. هذا مفهوم. وأكبر خطأ نرتكبه هو أن نعظ الشّبيبة بزهد الأديرة وبقداسة القذارة البورجوازيّة. ولكن ليس من المستحسن في نظري أن تصبح المشكلات الجنسيّة، الّتي رفعتها أسباب طبيعيّة إلى المقام الأوّل، الشّاغل الرّئيسيّ للشّبيبة في هذه الأعوام. فنتائج ذلك قد تكون في بعض الأحيان مشؤومة.

إنّ الشّبيبة، في موقفها الجديد من المسائل المتعلّقة بالحياة الجنسيّة، لا تتوانى من حيث المبدأ عن الرّجوع إلى النّظريّة. والكثيرون يصفون موقفهم بأنّه "ثوريّ" أو "شيوعيّ". وهم يؤمنون صادق الإيمان بذلك. وأنا أكبر سنًّا من أن يفرضوا عليّ إيمانهم هذا. وبالرّغم من أنّني لست البتّة زاهدًا متنسّكًا متعنّتًا، إلّا أنّ الحياة الجنسيّة الجديدة للشّباب، وحتّى للرّاشدين، تبدو لي في غالب الأحيان بورجوازيّة تمامًا، مظهرًا من المظاهر العديدة لماخور بورجوازيّ. إنّ هذا كلّه ليس له من علاقة بـ "حرّيّة الحبّ" كما نفهمها نحن الشّيوعيّون. أنتِ تعرفين بلا شكّ النّظريّة المشهورة القائلة أنّ تلبية الغرائز الجنسيّة والحاجة إلى الحبّ لن تعدو في المجتمع الشّيوعيّ أن تكون أكثر من أمر بسيط تافه كاجتراع كأس من الماء. إنّ نظريّة "كأس الماء" هذه قد جعلت شبيبتنا مستكلبة، مستكلبة بالمعنى الحرفيّ للكلمة.

لقد كانت هذه النّظريّة مشؤومة على الكثيرين من شبابنا وشابّاتنا. ويؤكّد أنصارها أنّها نظريّة ماركسيّة. فشكرًا لهذه "الماركسيّة" الّتي ترى أنّ كلّ الظّاهرات وكلّ التّبدّلات الّتي تطرأ على بنية المجتمع الفوقيّة والأيديولوجيّة تستنبط مباشرة، وبخط مستقيم وبدون أي تحفّظ، من الأساس الاقتصاديّ وحده، إنّ الأمر ليس بهذه البساطة الّتي يبدو بها. إنّ شخصًا يدعى فريديريك إنجلز قد بيّن، منذ زمنٍ بعيد، حقيقة المادّيّة التّاريخيّة.

إنّني أعتبر نظريّة "كأس الماء" المشهورة غير الماركسيّة مضادّة للمجتمع فضلًا عن ذلك. ففي الحياة الجنسيّة لا يتجلّى ما أخذناه عن الطّبيعة فحسب، بل أيضًا ما أخذناه عن الثّقافة، سواء أكان ساميًا أو منحطًا.

إنّ إنجلز يبيّن في أصل الأسرة "أهمّيّة تطوّر الحبّ الجنسيّ وتهذّبه. والعلاقات بين الجنسين ليست محض تعبير عن عمل الاقتصاد الاجتماعيّ والحاجة الجسمانيّة المفرق بينهما فكريّاً بالتّحليل الفيزيولوجيّ.

إنّ الميل إلى إرجاع تبدّل هذه العلاقات إلى أساس المجتمع الاقتصاديّ، بغض النّظر عن كلّ صلة بالأيديولوجيا، ليس من المذهب الماركسيّ وإنّما من المذهب العقلانيّ يقينًا، إنّ الظّمأ لا بدّ أن يشفي غليله. لكن هل ينبطح إنسان سويّ في ظروف سويّة أيضًا، على بطنه على أرض الشّارع ليشرب من مستنقع ماء وسخ؟ أو حتّى من كأسٍ لوّثت حوافها عشرات الشّفاه الأخرى؟ والأهم من ذلك أيضًا النّاحية الاجتماعيّة. وبالفعل، إنّ شرب الماء مسألة شخصيّة، لكن في الحبّ شخصين معنيّين وهناك ثالت يأتي عنه كائن جديد.

وإنّما هاهنا تكمن المصلحة الاجتماعيّة ويولد الواجب تجاه المجتمع. إنّني لا أشعر بوصفي شيوعيًّا بأيّ جاذبيّة نحو نظريّة "كأس الماء" وإن تلبّست بلبوس مبدأ "الحبّ المنعتق". وفضلًا عن ذلك فإنّها ليست بجديدة هذه النّظريّة
"الشّيوعيّة". فأنت تذكرين على ما أعتقد، أنّه جرى "التّبشير" بها في الأدب في أواسط القرن الماضي تحت عنوان "تحرير القلب". وقد انقلبت في الممارسة البورجوازيّة، إلى تحرير للجسد وقد كان التّبشير بها يتمّ يومذاك ببراعة أكبر. أمّا عن الممارسة فلست بمستطيع إصدار حكم.

إنّني لا أريد البتّة، بنقدي هذا، أن أدعو إلى الزّهد. فمن واجب الشّيوعيّة أن تحمل للإنسان لا الزّهد وإنّما فرح الحياة والرّفاه المرتبطين بملأ الحبّ. وفي رأيي أنّ الشّطط الملحوظ اليوم في الحياة الجنسيّة لا يحمل في طيّاته لا فرح الحياة ولا الرّفاه بل هو على العكس ينقص منهما. والحال أنّ هذا لا يساوي شيئًا البتّة أثناء الثّورة.

إنّ ما تحتاجه الشّبيبة بوجه خاصّ إنّما هو فرح الحياة والرّفاه.

إنّ الرّياضة والسّباحة والجَوَلان وكلّ أنواع التّمارين البدنيّة والاهتمامات الأخلاقيّة المتنوّعة والدّراسات والتّحاليل والأبحاث، إنّ هذا كلّه يقدّم للشّبيبة أكثر بكثير ممّا تقدّمه التّقارير والمناقشات الّتي لا نهاية لها حول المسائل الجنسيّة وحول طريقة "التّمتّع بالحياة" حسب التّعبير الشّائع.

"روح سليم في جسم سليم"، لا ترهّب، ولا دونجوانيّة، ولا ابتذال ألمانيّ كحدّ وسط. أنت تعرفين حقّ المعرفة رفيقك الشّاب هوز. إنّه شابٌّ كامل، عظيم الموهبة، لكنّي أخشى ألّا يخرج منه شيءٌ جيّد. فهو يتخبّط وينتقل من مغامرة غراميّة إلى أخرى. إنّ هذا لا يقدّم شيئًا لا للنّضال السّياسيّ ولا للثّورة، وإنّني لا أضمن لا الثّقة ولا الحزم في النّضال بالنّسبة إلى النّساء اللّاتي يختلط خيالهنّ الشّخصيّ بالسّياسة، ولا بالنّسبة إلى الرّجال الّذين يُجَرّون وراء كلّ تنّورة ويقعون صرعى أوّل كاعب حسناء يرونها. كلّا، إنّ هذا لا يتّفق والثّورة".

ونهض لينين فجأة، وضرب بيده على الطّاولة وخطا بضع خطى في غرفته:

"إنّ الثّورة تستدعي تركيز القوى وتوترها. من جانب الجماهير وكلّ فرد على حدة. وهي لا تتّفق مع الإشتطاط في الشّبق كما هي حال أبطال وبطلات دانونزيو المنحطّين. إنّ الشّطط في الحياة الجنسيّة علامةٌ على الانحطاط البورجوازيّ والبروليتاريا طبقة صاعدة. وهي ليست بحاجة لأن تسكر، وتدوخ، وتثار. إنّها لا تطلب لا الثّمل ولا الإفراط في الجنس والكحول. إنّها لا تجرأ ولا تريد أن تنسى دناءة الرّأسماليّة، ووحلها وهمجيّتها. وهي تستمد أقوى حوافزها النّضاليّة من وضعها الطّبقيّ ومن المثل الأعلى الشّيوعيّ. وما تحتاجه هو الوضوح والمزيد من الوضوح. ولهذا، إنّني أكرّر ذلك، لا تهاون، ولا تبذير أو تدمير للقوى. ومعرفة ضبط النّفس وسيطرة المرء على أفعاله لا تعني العبوديّة. وهذا ضروريّ في الحبّ أيضًا.

لكن، اعذريني يا كلارا، فقد ابتعدت كثيرًا عن نقطة انطلاق حديثنا. لم تلفتي نظري حتّى أعود إلى النّظام؟ إنّ قلقي قد جعلني أقول أكثر ممّا كنت أودّ. إنّ مستقبل شبيبتنا يقلقني كثيرًا. فالشّبيبة هي جزء من الثّورة. وإذا ما بدأت التّأثيرات الضّارّة للمجتمع البورجوازيّ تمتد إلى عالم الثّورة أيضًا، شأن الجذور الكثيرة التّشعّب لبعض الأعشاب السّامّة، فمن الأفضل أن نقاومها في الوقت المناسب. لا سيّما وأنّ هذه الوسائل هي جزء أيضًا من المشكلة النّسويّة".

كان لينين يتكلّم بكثير من الحدّة والقناعة. وكنت أشعر بأنّ كلّ كلمة من كلماته تخرج من أعماق قلبه. وكان تعبير وجهه شاهدًا على ذلك. وكانت حركة قويّة من يده تدلّ أحيانًا على فكرته. وما أذهلني هو أنّني وجدت لينين، مع اهتمامه بالمسائل السّياسيّة البالغة الأهمّيّة، يعير انتباهًا عظيمًا للظّاهرات المنعزلة ويحلّلها بعناية بالغة، وهذا ليس فيما يتعلّق بروسيا السّوفياتيّة فحسب، بل أيضًا بالبلدان الرّأسماليّة. وكان لينين، بوصفه ماركسيًّا كاملًا، ينظر إلى كلّ ظاهرة منعزلة، في أيّ شكلٍ ومكان تتجلّى فيهما، من خلال المشكلة الكبرى، من خلال الكلّ، مقدّرًا قيمة الأولى بالنّسبة إلى الأخيرة. ولم تكن إرادته وهدفه الحيويّ الرّاسخ الّذي لا يتزعزع كقوّة لا تقاوم من قوى الطّبيعة يستهدفان سوى شيء واحد: التّعجيل بالثّورة الّتي يرى فيها قضيّة الجماهير. كان لينين يقيّم كلّ ظاهرة من زاوية التّأثير الّذي يمكن أن تمارسه على القوى المكافحة في سبيل الثّورة، على نطاق قوميّ وأمميّ معًا، لأنّه كان يرى دومًا أمامه، مع أخذه بعين الاعتبار التّام الخصائص التّاريخيّة في مختلف البلدان وفي مختلف مراحل تطوّرها، ثورة بروليتاريّة عالميّة واحدة غير قابلة للقسمة.

وهتفت:

"كم يؤسفني، أيّها الرّفيق لينين، أنّ مئات وألوف الأشخاص لم يسمعوا كلماتك هذه. وأنت تعلم أنّه، بالنّسبة إليّ، لا حاجة إلى إقناعي. لكن من الأهمّيّة بمكان أن يطّلع أصدقاؤنا وأعداؤنا على السّواء على رأيك".

كان لينين يبتسم بسذاجة وطيبة:

"لعلّي سألقي ذات يومٍ خطابًا أو أكتب حول هذا الموضوع. ليس الآن، وإنّما فيما بعد. فاليوم علينا أن نركّز كلّ وقتنا وكلّ قوانا حول نقطة أخرى. إنّ لدينا في الوقت الرّاهن همومًا أخطر وأصعب. فالنّضال من أجل الحفاظ على السّلطة السّوفياتيّة وتوطيدها ما يزال بعيدًا عن أن يكون قد انتهى. وعلينا أن نبذل كلّ ما في وسعنا لاستخلاص النّتائج من الحرب مع بولونيا. إنّ ورانجل ما يزال في الجنوب. وفي قناعتي القويّة، أنا واثق من ذلك، أنّنا سنتغلّب عليه، الشّيء الّذي سيجعل الإمبرياليّين الإنكليز والفرنسيّين وصغار أتباعهم يفكّرون. لكنّ الشّيء الأصعب هو إعادة البناء.

وسوف تكتسب مشكلة العلاقات بين الجنسين ومسائل الزّواج والأسرة المزيد من الأهمّيّة من خلال هذه المسيرة أيضًا. وبانتظار ذلك، عليكم أن تناضلوا دومًا وفي كلّ مكان. عليكم ألّا تسمحوا بمعالجة هذه المسائل عن غير الطّريق الماركسيّ، وألّا تسمحوا بأن تُخلق تربة مناسبة للانحرافات والتّشويهات المؤذية".

ونظر لينين إلى ساعته، وقال:

"إنّ الوقت المتاح لي قد انصرم نفسه. لقد تكلّمت أكثر ممّا ينبغي. إنّ علينا أن نكتب أطروحات تستلهمها النّساء في عملهنّ الشّيوعيّ. إنّني أعرف مبادِئك وتجربتك العمليّة. وعلى هذا فإنّ حديثنا حول هذه النّقطة سيكون قصيرًا. إذاً، إلى العمل...!


(عن كتاب كلارا زتكين، "لينين كما كان")