![]() |
| الصّورة من ساحة الشّهداء، وسط بيروت / بعدسة رامي رزق |
يشعر بعض
الرّومانسيّين، كما أعداء التّغيير، بالامتعاض من السّؤال الّذي سنحاول مناقشته في
مقالنا هذا، وهو سؤال كان قد تردّد مرارًا وتكرارًا منذ بداية انتفاضة 17 تشرين،
وعلى مدى الأشهر التّسعة الّتي تلتها، وهذا التّردّد المتكرّر ليس إلّا نتيجة
طبيعيّة لمحاولة تجاهل الإجابة، المترافقة مع الفشل المتتابع في تحقيق أيّ خرق
جدّيّ في عمليّة "التّغيير" الّتي لا تريد أن تعتمد إلّا على الشّارع
وعفويته. لذلك، يتوجّب الاعتذار المسبق عن تكرار هذا "الإزعاج"، مع
التّنويه بأنّه سيبقى مستمرًّا وبوتيرة "أكثر إزعاجًا"، إذ أنّ الإجابة
عن هذا السّؤال لم تعد مطلوبة فحسب، بل باتت ضروريّة لتفادي الذّهاب نحو
الاحتمال الأسوأ الّذي سيتحمّل آلامه الجميع (الرّومانسيّون ضمنًا).
حكمت غصن
إنّ السّقوط
الحرّ الّذي يعيشه لبنان، هو ككلّ انهيار، أزمة وفرصة في آن، وحسم اتجاهه يكمن في
توجيه الدّفّة نحو أحد الاحتمالين التّاليين: الفوضى الشّاملة المترافقة مع انهيار أجهزة الدّولة والقانون مقابل تصاعد الجرائم
والعمل الميليشيويّ والانقسامات المذهبيّة والطّائفيّة، أم توحيد جميع الفئات
المتضرّرة تحت لواء برنامج إنقاذ يمثّل مصالحها المشتركة ويمهّد لقلب موازين القوى
في البلاد والاتّجاه نحو تغيير النّظام المنهار.
الاحتمال
الأوّل، أي الفوضى، يجد جميع ظروفه وشروط حصوله جاهزة: العوامل والصّراعات
الخارجيّة المحتدمة، الفقر، الجوع، التّجهيل، الانقسامات العشائريّة، ميليشيات أطراف
السّلطة على اختلافها، أجهزة المخابرات الدّاخليّة والخارجيّة، السّلاح المتفلّت،
انعدام القانون والأمن، وسائل الإعلام معدومة الأخلاق والمهنيّة، ودعايتها الّتي
أفسدت قدرة العقول على إعادة النّظر بالمسائل والتّفكير السّليم بها، وبالطّبع، دعنا
لا نسى المستفيدين الأوائل من كلّ هذا البؤس: ناهبي البلاد وأسيادهم في الخارج.
أمّا الاحتمال الثّاني، فله شروط عديدة، منها الدّاخليّ ومنها الخارجيّ، ولكنّها
تتمحور جميعها حول ضرورة أساسيّة سنحاول ترجمتها عبر محاولة الإجابة عن السّؤال
التّالي: هل كان الغضب الشّعبيّ والاعتراض الضّخم في الشّارع حصرًا، كافيًا لقلب
ميزان القوى وتغيير قواعد الاشتباك في البلاد؟
إنّ أيّ عمليّة تغيير تحتاج إلى كيانات سياسيّة منظّمة تحمل مشاريع وبرامج تحقّق عبرها
التّغيير المنشود، إمّا لتعيد إصلاح وتعديل أنظمة حاليّة، فتكون إصلاحيّة متماهية،
أو لتستبدلها كلّيًّا بأنظمة جديدة معاكسة، فتكون تغييريّة جذريّة. إذًا، فإدارة
البلاد ومجتمعها تشكّل مسؤوليّة ضخمة تتطلّب وضوحًا وقناعة في اتّجاه فكريّ-سياسيّ
معيّن، يترافق مع معرفة دقيقة بكيفيّة تطبيق هذا الاتّجاه من خلال دستور جديد يتمّ
وضعه للدّولة، ومن خلال أجهزتها الّتي تعاد هيكلتها بحسب المشروع، فكيف لحالة
اعتراضيّة واسعة أن تستلم زمام مسؤوليّة كتلك؟
يعتبر بعض
المعترضين (ومنهم جزءٌ "شرس") أنّ التّغيير وحلّ الأزمة هو واجب مَن في
السّلطة الآن، وليس ذلك واجب النّاس الّتي تأنّ من تداعيات الأزمة، وإحدى تجلّيات
هذا الطّرح، وسخافته، تظهر أيضًا عند مطالبة السّلطة "تشكيل حكومة من خارج
السّلطة" (؟!). يغافل هؤلاء الشّرسون أنّ السّلطة الّتي تحكم البلاد هي
المستفيد الأوّل من الأزمة، وما من مصلحة تجبرها للرّضوخ لمطالب النّاس، وحتّى
أنّها لا تكترث لشعبيّتها إذ لن يمنعها لا دستور ولا قانون ولا عُرف من إلغاء
الانتخابات مثلًا، والّتي وإن حصلت دون وجود قوى معارضة قادرة على الفوز، فلن تُنتج
إلّا السّلطة نفسها. في المحصّلة، نجد أنّ هذا الشّكل من التّغيير في الشّارع لا
يعدو كونه وهمًا لمن اقتنع به، خصوصًا في ظلّ غياب منافس سياسيّ حقيقيّ يهدّد
السّلطة الحاليّة.
من جانبٍ
آخر، تردّد صدى مختلف ليجيب على السّؤال المذكور أعلاه بالإيجاب، معتبرًا أنّ
الشّارع سينتج القوّة السّياسيّة المعارضة عبر تأطير النّاس لنفسها وخلقها
لتيّارات وحركات وأحزاب جديدة، وهذا الاحتمال قد يكون صائبًا إذا ما تحقّق الشّرط
التّالي: وجود نوى (جمع نواة) مبادِرة تحمل رؤى سياسيّة محدّدة، يمكن تسميتها "بالطّليعة"،
ليتكتّل حولها جزء من النّاس بحسب مصالحهم وخلفيّاتهم الاجتماعيّة. بالمحصّلة،
سينتج عن هذه العمليّة الّتي يسمّيها أنصار هذا الرّأي "بالفرز"، قوى
سياسيّة جديدة كالتّيّارات والأحزاب الّتي يتوجّب عليها تنظيم أطرها وكوادرها، بهدف
خلق فريق من الأشخاص قادر على صياغة توجّه سياسيّ وبرنامج لتحقيقه، بهدف مشاركة أو
استلام أو انتزاع السّلطة وتحمّل مسؤوليّة إدارة البلاد والمجتمع.
يحاول آخرون
الالتفاف على تلك الحقيقة، عبر طرح المثال المعروف بتجربة "المجالس
الشّعبيّة"، ويعتبرون أنّ النّاس قادرون على الانتظام فيما بينهم تبعًا لمصالحهم،
الّتي ستقودهم بدورها دون الحاجة لقيادة سياسيّة. يغافل أنصار هذا الموقف الطّوباويّ
أنّ المجالس المحليّة إذما نجحت بالظّهور، ستكون بحاجة إلى ربط في ما بينها لتسطيع
تشكيل حالة وطنيّة واسعة وشاملة قادرة على إزاحة السّلطة بقدرة الأمر الواقع، وهذا
الرّبط سيحتاج إلى تجانس في الرّؤى الّتي عليها مقاربة المصالح من وجهة نظر طبقيّة
واضحة، لا فئويّة ومناطقيّة في بلاد تعاني من الطّائفيّة والمذهبيّة، لذلك فمن الضّروريّ
وجود قوّة سياسيّة متجانسة تمثّل هذا التّوجّه بشكل وازن داخل المجالس المحلّيّة،
لتسهّل تجانسها باتّجاه مصالحها المشتركة، تدعم التّنسيق العمليّ المثمر في ما
بينها لتأمين ضغط فعليّ على الخصم المتمثّل بالسّلطة، ولتحميها من أيّ خلافات قد
تؤدّي إلى سيناريوهات تقسيميّة، ستعمل على تأجيجها أحزاب السّلطة الموجودة لتضرب
أيّ محاولة جدّيّة للتّغيير، لا بل لتحوّل المجالس الشّعبيّة إلى مجالس فئويّة
تكرّس سطوة قوى السّلطة الطّائفيّة مع تقسيم البلاد على أسس مذهبيّة.
بناءً على ما
سبق، لا يمكننا أن نستنتج إلّا خلاصة واحدة: أنّ الشّارع وحده وبعفويّته لم ولن يكون
كافيًا لتغيير النّظام إذا ما ترافق مع ظهور قوى سياسيّة حقيقيّة وفاعلة قادرة على
تحقيقه عبر استلام السّلطة، وهنا يُطرح سؤال جديد أكثر تقدّمًا، عن الطّريقة الّتي
ستسمح لهذه القوى بخرق المشهد السّياسيّ المعقّد في البلاد، لفرض نفسها كلاعب جديد
في السّاحة، كما عن خطّتها لمشاركة، استلام أو انتزاع السّلطة. كلّ ذلك في حال
جزمنا أنّها قد أنجزت مسبقًا بلورة خطّها السّياسيّ وبرنامجها في إدارة البلاد، وهذا
ما عليها فعله قبل التّفكير في استلام السّلطة، إذ لا يمكنها الوصول إليها ومن ثمّ
الوقوف حائرة أمام بلادٍ تنهار، أي بشكل آخر عليها أن تكون قد حسمت النّقاش وأتمّت
التّخطيط للنّقاط التّالية:
1- حسمت
بالفعل (وليس بالشّعارات) خلفيّتها الأيديولوجيّة، وبالتّالي توصيفها السّياسيّ
للمرحلة التّاريخيّة، وحدّدت خياراتها في الدّفاع عن مصالح أيّ طبقات اجتماعيّة.
2- حدّدت موقفها
وموقعها في الصّراع الدّوليّ والعالميّ بين القوى والنّماذج المتعاكسة في هذه
المرحلة التّاريخيّة (وهنا يكمن نقاش آخر، أوسع وأعمق ممّا تضخّه يوميًّا بروباغاندا
النّظام وأسياده في الغرب).
3- حدّدت
نظرتها للنّظام الّذي تسعى إلى تحقيقه، أي حدّدت كيف ستبني المجتمع والبلاد على
المدى الطّويل.
4- وضعت خطّة
انتقاليّة متوسّطة الأمد لانتشال البلاد من الأزمة، كي تستطيع الاتّجاه نحو تحقيق
التّغيير طويل الأمد.
5- رسمت خطّة
لكيفيّة تغيير السّلطة الحاليّة بعد تقييم توازنات القوى الطّبقيّة داخل المجتمع والأحزاب
الحاكمة، ما يشكّل ثغرات ونقاط ضعف تسمح بضرب وتفكيك منظومات هذه الأحزاب على أساس
مصالحها المتناقضة.
6- جهّزت
الآليّات التّنفيذيّة لخطّة الضّغط على السّلطة الحاليّة، عبر تنظيم القطاعات
والكوادر البشريّة والإمكانيّات الدّعائيّة وكلّ التّقنيّات الّتي تخدم العمل
اليوميّ على الأرض كما على طاولات التّفاوض.
إنّ هذه
النّقاط تشكّل بدايةً لنقاش أكثر تقدّمًا، كما ركيزة لتحديد جدّيّة أيّ قوّة
سياسيّة تعتبر نفسها "بديل"، لتكون قادرة على التّفاوض من أجل فرض
برنامجها الإنقاذيّ. أمّا الانغماس في حالة الاعتراض والتّحريض على العنف بكلّ أشكاله
دون حسم النّقاط الثّلاث الأولى، ودون القدرة على تطوير النّقاط الباقية بحسب
تطوّر الأحداث وموازين القوى، لا يمكن أن يكون سوى مغامرة أثبتت فشلها خلال تسعة أشهر
على كلّ المستويات، باستثناء نجاحها في تسعير نار الفوضى والخراب، أي تأبيد النّظام
المتعفّن وبؤسه...
تنويه: كُتبت المسودّة الأولى لهذا المقال بتاريخ 04/04/2020، ولم تطرأ عليها أيّ تعديلات جوهريّة، إذ لم يحدث أيّ تغيير جوهريّ في مجريات الأحداث المتعلّقة بفكرة المقال منذ حينه وحتّى تاريخ النّشر (12/07/2020). بمعنى آخر، لا زلنا عالقين في الدّوّامة نفسها، ولم نخطي أيّ خطوة إلى الأمام...
