Monday, November 13, 2017

هادي المصري - اغتراب المعنى في عمليّة تأبيد القائم؛ النّزعة التّحريفيّة في اليسار الطّفوليّ

"عبّر فيها عن رفضه صفة ملحد، فهي تذكّره بالأطفال وهم يؤكّدون لكلّ من هو مستعد لسماعهم أنّهم لا يخافون من البعبع ..."

لعلّ أبرز ما نواجهه اليوم في ظلّ موجة التّفكّك الّتي ترافق شيخوخة النّظام الرّأس ماليّ، هو الغياب الفعليّ لشريحة المثقّفين الّتي بعلميّة فكرها تستبق الواقع وتحلّله، وبالتّالي تمنع اغتراب المعنى في غاية تهميش الفكر وتفكيك مضمونه وعزله عن شروط النّظرة التّاريخيّة.

هادي المصري

حمل مفهوم الاغتراب معانٍ كثيرة حتّى ليصلح القول بأنّه مفهوم "مثقل سيمانطيقيّاً" كما عبّر عنه بول ريكور في مقالته عن الاغتراب. إلّا أنّ استخدام هذا المفهوم هنا يعبّر عن انسلاخ معنى معيّن من ضمن سياق فكريّ علميّ عامّ من شأنه أن يعيق الفهم أو بالأحرى أن يكبل التّطوّر.

أوّلاً في آليّة النّظرة التّاريخيّة يحدّد حسن حمدان في كتابه "في علميّة الفكر الخلدونيّ" آليّة النّظرة للتّاريخ والبناء المنهجيّ العلميّ لهذه النّظرة، حيث يكون من الضّرورة للمقاربة العلميّة أن تفترض وجود نظريّة بها تكون هذه المقاربة ممكنة. وبالتّالي عمليّة البناء المنهجيّ العلميّ تقوم أولاً على عمليّة البناء النّظريّ العلميّ (عمليّة إنتاج المفاهيم النّظريّة) الّتي من طابعها إنتاج المعرفة العلميّة. تشكّل الماركسيّة فهماً دقيقاً لبنية النّظام الرّأسماليّ ومنهجيّة تطوّره، وبالتّالي تطرح البديل الضّروريّ لديمومة الإنسانيّة وتطوّرها، ما يجعل من عمليّة التّحريف داخل هذا الفكر العلميّ الماركسيّ مشروعاً دائماً لمؤسّسات الأيديولوجيا الرّأسمالية وتوابعها. فمن البديهيّات الّتي يقوم بها النّظام الرّأسماليّ هي محاولة فصل النّظريّة الماركسيّة العلميّة عن واقع التّطوّر المادّيّ التّاريخيّ وبالتّالي محاولة إخراجها من الزّمان والمكان وحصرها بآليّة ذهنيّة كان ماركس أوّل منتقديها. من أبرز هذه المحاولات، المحاولة في موضوع الدّين، حيث طغت مقولة كارل ماركس "الدّين أفيون الشّعوب" على الأوساط اللّيبراليّة وعلى عموم اليسار الطّفوليّ، الّذين عزلوا هذه المقولة عن سياق المنهجيّة والفكر الماركسيّ عامّةً وبالتّالي وصلوا إلى وضع النّظريّة العلميّة الماركسيّة في مواجهة غيبويّة عقائديّة دينيّة. في مثل هذه المقاربة، يكون الموت حليف الأوّل الّذي ما برحت أجندة الرّأسماليّة المتهالكة تحاول عزله عن آليّة الصّراع الطّبقيّ الّذي يمثّل الدّين أريجه الرّوحيّ حسب تعبير ماركس في كتابه "مقدّمة لنقد فلسفة الحقّ عند هيغل". وهنا ليس الهدف إيضاح نظريّة ماركس عن الدّين بل محاولة إضاءة بعض القضايا الّتي في كلّ لحظة تحاول الإمبرياليّة فرضها لتكبيل العقل وإعاقة الفكر. في مقاربة تاريخيّة سريعة، بدأت نظرة ماركس للدّين بالتّبلور منذ شبابه، فبرسالة بعثها إلى صديقه آنذاك في جريدة "الحوليّة الألمانيّة الفرنسيّة" أرنولد روغ بتاريخ ٢٤ تشرين الثّاني ١٨٤٢ عبّر فيها عن رفضه صفة ملحد، فهي تذكّره بالأطفال وهم يؤكّدون لكلّ من هو مستعد لسماعهم أنّهم لا يخافون من البعبع (وبالطّبع كان هنا يقصد إلحاد فلاسفة القرن الثّامن عشر الفرنسيّين كلاماتري وكلوت وهيبر ودولباخ). إلّا أنّ هذه النّظرة ستتطوّر في كتاباته عن المسألة اليهوديّة عام ١٨٤٣ وفي مخطوطات باريس (أو مخطوطات عام ١٨٤٤الاقتصاديّة والاجتماعيّة) حيث يبدي ماركس تأثّره بفيورباخ. يبلغ نقد ماركس للدّين ذروته في السّنين الّتي تلت، حيث يناقش الموضوع في كتابه "مقدّمة لنقد فلسفة الحقّ عند هيغل" وفي كتاب "العائلة المقدّسة أو نقد النّقد النّقديّ" (طبعاً هذه الأعمال مرتبطة بصديق ماركس الأبديّ فريديريك إنجلز).

يوضّح لينين في مقاله "موقف حزب العمّال من الدّين" النّظرة للدّين، ويشدّد على دحر كلّ طفوليّة تخدم بموقفها النّظام الموجود وتأبيده.

ولم تقتصر محاولات الرّأسماليّة في هذا بل تعدّته وتكرّست بعد سقوط الاتّحاد السّوفييتيّ وفرض حالة من الحكم الأحاديّ على العالم وهو حكم رأس المال، وبالتّالي محاولة فرض نفسه كضرورة للتّقدّم. إلّا أنّ مثل هذه الفرضيّات أثبتت فشلها أمام اشتداد تناقضاته الدّاخليّة. فلم يعد بمقدور هكذا نظام أن يخلق صورة مستقبليّة أو أن يبني هدفاً مستقبليّاً في عقول النّاس. ليس من الغريب محاولته تهميش الماركسيّة الّتي في كلّ لحظة من لحظات شيخوخته تثبت نفسها، ليس فقط كبديل اقتصاديّ بل كضرورة عالميّة، وبالتّالي يكون لهكذا اختزال دورٌ في تحويل الصّراع عن الجوهر (ألا وهو الصّراع الطّبقيّ) إلى صراع هشّ بين الدّين والمتديّنين، فبنخبويّة فكريّة يتجذّر العداء للقوى الاجتماعيّة المقهورة، فينتصر تحريف الفكر الطّفوليّ، ما قد يضعنا في دوّامة نقاش وجد منذ مئات السّنين، والصّراع هنا ليس فقط مع عتاة الرّأسماليّة بل هو صراع في كلّ لحظة ضدّ هذا التّيّار الطّفوليّ في اليسار المريض (إذا جاز أن يطلق عليه صفة "يسار")، هو صراعٌ وجوديّ فإمّا أن ينتصر العقل والحبّ والجمال في الإنسان وفي هذا العالم، أو تنتصر الظّلاميّة والعدميّة فيه، وفي الموقع الثّاني، يكون الهلاك مصير الجميع.

No comments:

Post a Comment