Tuesday, February 12, 2019

مجابهة التّحريف، في سبيل ضرورة التّغيير



نتناول في مقالنا هذا، جانباً من جوانب النّقاشات الّتي، وللأسف، لم تحسم حتّى اليوم، وذلك بعد مرور مئة عام على خوض أضخم التّجارب في تاريخ اليسار والشّيوعيّة. فلطالما كانت مسألة التّحريف السّياسيّ والفكريّ في اليسار، جدلاً يعود للبروز في أوساطه كما في أوساط المجتمع عند اشتداد تناقضات هذا الأخير، أي عند تأزّم النّظام السّائد. ولكن في حاضرنا اليوم، وبعد سيادة الضّخّ اللّيبراليّ لعقود في الفكر والثّقافة على كافّة المستويات، لا سيّما نمط العلاقات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والبروباغاندا، ينزلق هذا الجدل أحياناً في فخّ السّطحيّة السّائدة في محاولة لتفاديه سعياً نحو "العمل"، خصوصاً عند تشبيهه بصراعات إثنيّة أو طائفيّة مضى عليها الزّمن، أو عند ربطه بشخصيّات تاريخيّة باتت "في ديار الحقّ" على حدّ قول المبرّرين. إنّ هذه الانزلاقات تعطي لنقاشنا الحاليّ استثنائيّة ربّما تكون مرتبطة باستثنائيّة الأزمة الرّأسماليّة اليوم، والّتي بات واضحاً أنّ لا أفق لحلّها رأسمالياً.

حكمت غصن

إنّ مجابهة التّحريف في حاضرنا كما في كلّ لحظة، ضرورة في سبيل تصويب العمل السّياسيّ والفكر النّظريّ، بهدف خوض تجربة فاعلة نحو تغيير النّظام الرّأسماليّ السّائد، والّذي بات عقبة أمام تقدّم المجتمع البشريّ وخلاصه من نير الموت والدّمار والعبوديّة، عبر بناء البديل الاشتراكيّ القائم على التّوزيع العادل للثّروة والملكيّة العامّة لوسائل الإنتاج تمهيداً لتقدّم الإنسانيّة واحترام الإنسان كقيمة أساس. لذا، وبما أنّ التّغيير بات ضرورةً ملحّة، فإنّ فهم التّحريف وتعريته في سبيل مواجهته، لا يقلّ عن التّغيير أهمّيّةً، خصوصاً أنّه محور أساس في مجابهة التّسطيح، أي أحد أدوات الدّفاع الأيديولوجيّة للرّأسماليّة.

العدميّة

يرتبط هذه المصطلح، أو تطبيقه الفكريّ بالأحرى، بأغلب الحركات التّحريفيّة، من ليبراليّين وفوضويّين وطفوليّين. ذلك أنّ هذه الحركات، تعمد إلى ضرب المفاهيم الجذريّة والأسس النّظريّة عبر نقد هدّام مبني على فكرة القدرة على نقض كلّ الأفكار تحت حجّة "الجدليّة" أو أنّ "كلّ شيء نسبيّ" أو "متحرّك ومتغيّر"، ساعين طبعاً خلف تهديم المراجع الفكريّة الأساسيّة لفهم آليّات عمل النّظام الرّأسماليّ وكيفيّة ضربه تمهيداً لتغييره وبناء البديل، وذلك غالباً عبر تسطيح الأفكار وتفسيرها بغير سياقها، كما بتسخيفها لا سيّما عبر التّهكّم الّذي بات أداة فعّالة في ظلّ ميل النّاس لتنفيس الضّغط اليوميّ عبر بعض السّخرية.

بغضّ النّظر أنّ استخدام مصطلحات "الجدليّة" و "النّسبيّة" و "الحركة" يأتي في سياق مفكّك ومجرّد من الظّرف التّاريخيّ والواقع المادّيّ، يتناسى هؤلاء، وهم من يدّعون بشدّة "ارتكازهم إلى العلم"، أنّ الحقائق المادّيّة العلميّة هي واقع، أكان في علوم المادّة والطّبيعة، أم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة (بحسب الماركسيّة الّتي يدّعون أيضاً أنّهم من مناصريها). بذلك، ينطلقون في نقدهم باعتبار هذه الحقائق "نسبيّة" دون تحديد المرجع (ذلك أنّ النّسبيّة هي الرّؤية انطلاقاً من مرجعيّة)، أي ينطلقون من العدم، وإلى العدم، نافين بذلك مبدأ المرجع كما مبدأ التّراكم العلميّ والبحثيّ (وهو مبدأ أساس في البحوث العلميّة)، أو ينطلقون، دون الاعتراف، من الأحكام الذّاتيّة، وهذا ما يذكّرنا بفلسفة بيركلي المثاليّة القائمة على فكرة أنّ حياة كلّ إنسان هي أحلام يراها وحده ويصدّقها ولكنّها ليست واقع بل وهم في خياله. وعند السّقوط أمام أوّل سؤال أو نقاش، يلجؤون لما يسمّيه عالم النّفس الماركسيّ ويلهم رايش بـ "الآليّات الدّفاعيّة"، وهي أفكار يدرك الشّخص أحياناً أنّها غير واقعيّة، ولكنّه يضطرّ إلى تصديقها ليقنع نفسه أوّلاً وقبل أن يقنع الآخرين بأنّه غير مخطئ وأنّ كلامه منطقيّ، ليحافظ على كبريائه أمام نفسه، وفي جوهر الكبرياء يلوح شبح الذّاتيّة وتغيب الموضوعيّة الّتي غالباً ما يبدأ التّحريفيّين خطابهم بها بالمناسبة.

عالم المثل والظّرف التّاريخيّ

تتميّز الشّعارات المعلنة لهذا التّيّار السّياسيّ بالصّوت العذب وتحفيز المشاعر المرهفة عند سماعها، ذلك أنّها جذّابة كشعار "الحرّيّة" و "الدّيمقراطيّة" و "العدالة" و "الإخاء" وغيرها من شعارات الثّورة الفرنسيّة أو مراجع تاريخيّة مختلفة. لا شكّ أنّ هذه الشّعارات هي شعارات إنسانيّة محقّة، ذلك أنّ عذوبة صوتها ورهف المشاعر لا ينتج عن فراغ، بل عن حاجة المجتمع البشريّ الملحّة لتطبيق مبادئ مماثلة، هذه المبادئ الّتي اضمحلّت تحت نير النّظام الرّأسماليّ والاستعمار والعبوديّة. إلّا أنّ المشكلة لا تكمن في الشّعارات نفسها، بل في كيفيّة فهمها، طرحها، وبلوغها.

بما أنّ هذا التّيّار ينطلق من العدم كما ذكرنا آنفاً، فإنّ فهم هذه المبادئ مغلوط حكماً؛ على سبيل المثال، نلاحظ الدّعوة "للحرّيّة المطلقة" سعياً لتبرير أيّ تصرّف سياسيّ أو اجتماعيّ، متناسين أنّ الحرّيّة تشمل حرّيّة الآخر، أو بمعنى أدقّ، أنّ الحرّيّة الحقيقيّة هي حرّيّة جماعيّة وليست مجزّأة على الأفراد أو "الجماعات". كما أنّه لا يمكن فرض مفهوم "الحرّيّة الفرديّة"، وهو محقّ في بعض نواحيه، من خارج واقعه الاقتصاديّ الاجتماعيّ التّاريخيّ، خصوصاً في إطار العمل السّياسيّ وما يفرضه من أولويّات، فكما قال ماركس: "الحرّيّة هي معرفة الضّرورة". وهنا نلاحظ، كيف أنّ هذه التّيّارات، تعيش نظريّات فكريّة خارج الظّرف المادّيّ التّاريخيّ، وتطلق المواقف لتحكم من خارجه، بما في ذلك من تناقض مع الدّيالكتيك، كالمطالبة مثلاً ببعض الحرّيّات الفرديّة وبالمساواة الجزئيّة قبل تغيير نمط العلاقات الاقتصاديّ الاجتماعيّ المبني على القمع واللّا عدل، ويعني ذلك تبنّي الإصلاح لا التّغيير الجذريّ، فتحلّق في عالم مثلها وتنزلق في رؤيتها السّياسيّة المثاليّة غير القابلة للتّطبيق، وتنعزل في بوتقتها عن المجتمع الّذي يُفتَرض أنّها تدّعي الدّفاع عنه ودفعه نحو "التّقدّم"، وتصبح خارج التّأثير السّياسيّ وبالتّالي خارج حركة التّاريخ، ولهذا الخروج أمثلة تاريخيّة لا ريب فيها.

نمط العلاقات والرّجعيّة في المجتمع: السّبب أم النّتيجة؟

مجدّداً وفي إطار الانزلاقات المثاليّة في النّظريّة الفكريّة والعمل السّياسيّ، تغفل هذه التّيّارات عن حقيقة أنّ العادات والتّقاليد والمفاهيم الاجتماعيّة، تأتي نتيجة نمط علاقات الإنتاج الاقتصاديّة، ولهذه الحقيقة مراجع كثيرة عبر التّاريخ لا سيّما لدى ابن خلدون (وماركس طبعاً)، نشرح منها بعض المفاهيم انطلاقاً من واقعنا الحاليّ.

على سبيل المثال، إنّ المنافسة المبنيّة على تحقير الآخرين للتّفوّق عليهم، والّتي باتت تجتاح مجتمعنا، تأتي نتيجة محدوديّة وضيق "فرص العمل"، والبقاء للأكثر إقناعاً (أي تسويقاً لنفسه، وهنا يأتي مفهوم مرتبط وهو "النّرجسيّة")، فإذا ما أردنا الخروج من هذه المفاهيم، فمن الأفضل حلّ أساس المعضلة الكامن في قمع حقّ العمل، وهذا الحقّ لا يكتسب إلّا بتغيير النّظام الرّأسماليّ نحو نظام اشتراكيّ، وبالتّالي فإنّه لا يمكن محاربة هذه المنافسة عبر "نشاطات توعويّة" مهما كانت حديثة وجذّابة ومسليّة.

مثال آخر يطرح في هذا الإطار، وهو الكبت الاجتماعيّ، والّذي يقترح هذا التّيّار كسره بكسر المفاهيم الاجتماعيّة الرّجعيّة و "التّحرّر" (ولكن كيف؟ لا أحد يعلم). إنّ تغيير هذه المفاهيم الرّجعيّة لا يمكن تحقيقه إلّا بفهم أساسه، ألا وهو غياب دور الفرد الاجتماعيّ المنتج، حيث يسود الفراغ، ما يدفع الأفراد إلى سدّه عبر محاولة إيجاد دور اجتماعيّ في محيطهم (مثلاً، عندما يفرض الأهل خيار التّخصّص على أولادهم، فغالباً ما ينبع هذا الفرض من تعبئة فراغ الأهل في عدم قدرتهم هم على اختيار هذا الاختصاص أو ما يوازيه على المستوى الاجتماعيّ والمادّيّ، عندما كانوا في تلك المرحلة العمريّة نتيجة الحرب مثلاً). إنّ غياب الدّور المنتج والقيمة الاجتماعيّة للفرد، هو سمة من سمات النّظام الرّأسماليّ، وهنا أيضاً نعود لنقول أنّ التّحرّر الاجتماعيّ لا يمكن أن يحصل في ظلّ اللّيبراليّة، فـ "التّحرّر الجنسيّ" لن يعوّض العلاقة الحقيقيّة الرّوحيّة بالآخر ولو تمّ إرفاقه بقوانين ومفاهيم إنسانيّة (لا يختلف مبدأها في هذا الإطار عن فكرة الشّريعة والدّين)، بل سيعوّضه تعبئة الفراغ بالدّور المنتج وعلاقات حقيقيّة مبنيّة على أساس هذا الدّور بين البشر.

إنّ هذه الأمثلة توضّح كيف أنّ هذا التّيّار، يذهب في محاولته لمعالجة النّتيجة وإغفال السّبب الكامن خلفها، وهذا ما تشتهر به بالمناسبة، السّلطة اللّبنانيّة مثلاً. كما يغفل عن هذا التّيّار في التّكتيكات السّياسيّة (الّتي قلّ ما امتلك الكفاءة فيها)، أنّ القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة الّتي تطال جميع الفئات المستَغلّة بمختلف انتماءاتها الأيديولوجيّة والثّقافيّة لتجمعها حول مصالحها، هذه القضايا هي الخاصرة الرّخوة للنّظام، أمّا تصويب السّهام على عادات النّاس وتقاليدها والّتي تعتبر من أسس شخصيّتها الاجتماعيّة، هو السّدّ المنيع أو فرصة النّظام للهجوم المضادّ. وما أصعب تحطيم أفكار النّاس المثاليّة أمام دفعهم لتحقيق مصالحهم المادّيّة والمراكمة السّياسيّة من خلالها، وما أسهل تغيير النّتيجة عند معالجة السّبب...


(المصدر: مجلّة "النّداء"، العدد ٣٢٤، صفحة "رأي". ٢٧ تشرين الأوّل ٢٠١٧)

No comments:

Post a Comment