في خضمّ التّحوّلات الكبرى، تعيش المجتمعات
في حالة صراع بين ماضٍّ ينهار، وجديد يولد ليشكّل خشبة خلاص لمجتمع مهدّد بالانهيار،
فإذا ما كان يرفض السّقوط، كان عليه الانتقال من القديم الرّجعيّ إلى الجديد
التّقدّميّ.
حكمت غصن
إنّ المقصود "بالقديم"، كما "بالجديد"،
"نظام" قائم على علاقات تحكم البشر داخل مجتمع معيّن. هذه العلاقات ذات
الطّابع الاجتماعيّ-الاقتصاديّ، ترتسم تبعًا لمصالح الطّرف المسيطر داخل هذا المجتمع،
يرسمها هو بأداة تعرف باسم "السّياسة". وهذا الطّرف، يسخّر كلّ موارد
هذا المجتمع والأرض الّتي يعيش عليها، لخدمة مصالحه والدّفاع عنها وتحصينها بوجه
الأطراف الأخرى. إلّا أنّه ومهما بلغت قواه، فلا يمكنه أن يتخطّى حقيقة مادّيّة شديدة
الوضوح: أنّه وإذا تناقضت مصالحه مع مصالح الأطراف الأخرى، إلى حدّ تهديدها بالموت،
فإنّ هذه التّناقضات ستنفجر، لتعيد ترسيم نمط علاقات مختلف يحمي مصالح المنتصر في
معركة إعادة ترسيم النّظام.
في لبنان الّذي يتخبّط منذ السّابع عشر من
شهر تشرين الأوّل من العام ألفين وتسعة عشر، بلغ نمط العلاقات الّذي يخدم قلّة
قليلة على حساب الأغلبيّة السّاحقة من الشّعب، واسمه "النّظام الرّأسماليّ النّيوليبراليّ"،
بلغ ذروته بالتّناقض، حتّى انفجر على شكلين متوازيين: الأوّل هو انتفاضة شعبية
واسعة، شكّلت حالة تاريخيّة لم يُشهد لها مثيل في هذا المجتمع، والثّاني هو أزمة ماليّة
نهائيّة بدأت ملامحها تظهر بوضوح مع انهيار الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ وانحلال
أجهزة الدّولة ومؤسّساتها.
لن ندخل بتفاصيل هذه الانتفاضة، إذ أنّ
توثيقها وتحليلها يتطلّب مجلّدات، كما أنّ بعض التّفاصيل لا يعدو كونه قشور رمتها
السّلطة الحاكمة لخلق شرخ وشكوك داخل انتفاضة النّاس الصّادقة. لكنّنا سنحاول
العبور إلى بعض الظّواهر الاجتماعيّة الّتي يمكن أن تساهم برسم بعض القواعد لبناء
نمط جديد من العلاقات الاقتصاديّة-الاجتماعيّة، علّها تترافق مع طرح سياسيّ يحمل
رؤية وبرنامج لفرض مصالح أغلبيّة النّاس. هذا الطّرح السّياسيّ الّذي وبالمناسبة،
تأخّر ولا يزال متأخّرًا على ما يبدو، عن تحمّل مسؤوليّة إعادة رسم النّظام بهدف سلخ
المجتمع عن "القديم" المنهار وإنقاذه من السّقوط، إذ لا يتمّ ذلك إلّا
عبر تأمين وجود "الجديد" والمساعدة على الانتقال إليه.
إنّ الكارثة الأساسيّة الّتي ستنتج عن انهيار
الاقتصاد هي النّقص الحادّ بمختلف الحاجات الأساسيّة: الخبز والغذاء والمياه
والكهرباء والمحروقات والطّبابة، وغيرها الكثير من الحاجات الّتي إن غابت، سينتج
عنها كارثة إنسانيّة لا تحمد عقباها، كما قد ينتج معها ارتفاع في مستوى التّوتّر
الاجتماعيّ والجريمة وفقدان الأمن والأمان والبؤس واليأس الّذي يتمظهر منذ فترة في
ظاهرة الانتحار.
لكن ومن جانب آخر، فإنّ المحن تدفع أيضًا إلى
رفع مستوى التّضامن والتّكافل الاجتماعيّ، خاصّةً وأنّ الكارثة ستطال الجميع (باستثناء
مفتعليها، أي ناهبي ثروة المجتمع)، لذا سيحكُم النّاس شعور من الوحدة حول المأساة
الواحدة، وسيدفع إلى وعي المصلحة الموحّدة الّتي لا بديل عنها، وبالتّالي ضرورة
التّعاون للتّصدّي لمفاعيلها، وقد شهدنا نموذج مصغّر عن هذا التّعاون قبل يومين من
اندلاع الانتفاضة، أي عند كارثة الحرائق الّتي طالت البلاد، إذ كان تعاون
المواطنين بمختلف الأشكال، من المشاركة المباشرة في إخماد النّيران إلى المساندة
اللّوجستيّة، نموذج عن تشكيل مبادرة شعبيّة تعاونيّة للتّصدّي للكارثة حينما عجزت
أجهزة السّلطة عن القيام بذلك. وإن أردنا أن نتخيّل (وبشكل تبسيطيّ) هذا التّعاون
في ظلّ أزمة شحّ الحاجات، فقد نرى على صعيد القرى والبلدات، أو المناطق والمدن،
نوع من تنظيم شعبيّ للموارد والمسؤوليّات؛ فمن يملك بئر ماء، سيحاول تأمينها
للقرية، مقابل من يستطيع تأمين بعض المنتوجات الغذائيّة من أرضه المزروعة أو تربية
الدّواجن، إلى من سيقدّم المأوى لمن لم يعد قادر على دفع إيجار منزله، إلى المغترب
الّذي يمتلك أرض قد يقدّمها للسّواعد المتطوّعة القادرة على حراثتها وزرعها وتوزيع
منتوجها، وغيرها من الأشكال التّعاونيّة الّتي قد تتطوّر للوصول إلى نماذج لسلطات
محلّيّة بديلة تقوم بتنظيم الموارد والطّاقات بحسب ما تقتضيه مصلحة المجتمع ككلّ،
والّتي ستتقدّم على المصالح الفرديّة بحكم الضّرورة الملحّة والخيارات المحدودة
أمام الجميع.
إنّ في هذه الظّاهرة المتوقّعة، والّتي بدأت
ملامح لها تبرز في بعض المناطق، انفكاك عن مفهومين أساسيّين للنّيوليبراليّة؛ الأوّل
هو الأنانيّة وتقديم المصلحة الفرديّة الضّيقة على مصلحة الجماعة، والثّاني هو مفهوم
الملكيّة الخاصّة للموارد والثّروات. كما إنّ القاعدة الاقتصاديّة لهذا الشّكل من
الظّواهر، لا يمكن أن تكون قائمة سوى على الإنتاج الزّراعيّ والحرفيّ، بالتّالي هنا،
نجد انسلاخ آخر عن "القديم" اللّبنانيّ الّذي دمّر كلّ إنتاج وطنيّ وقام
على الخدمات والرّيع وتوظيف المال الوهميّ لسرقة المزيد من المال من جيوب النّاس ووضعه
في جيوب القلّة القليلة. في المقابل، لا يمكننا تخيّل نظام جديد دون اعتماده على الإنتاج،
وعلى الإنتاج الزّراعيّ تحديدًا، إضافةً إلى أشكال إنتاجيّة أخرى قائمة على
الابتكار والإبداع.
ومن الجدير بالذّكر، أنّ هذه الظّاهرة من
التّعاون والتّكاتف، ستساهم ببناء صورة ثقافيّة جديدة مختلفة، أي هويّة وطنيّة، خصوصًا
أنّ ولملامحها أثر تاريخيّ معروف، طبع هذا المجتمع في حقبات تاريخيّة ماضية شكّلت
جزء كبير من التّراث. هذه الثّقافة، قدّ تتمكّن من الحلول مكان الميوعة الّتي نجح
النّظام السّابق بفرضها على المجتمع بهدف إعاقة تطوّر وعي النّاس وتخديرها بأشكال
مختلفة، إذ كما نجحت حلقات النّقاش والنّدوات الشّعبيّة في السّاحات العامّة ببرهنة
القدرة على خلق بديل عن إعلام السّلطة، فسيشكّل العمل التّطوّعيّ والتّعاونيّ المنتج،
مجال حقيقيّ لتعبئة الفراغ وتحقيق الدّور والتّأثير الاجتماعيّ وبناء علاقات
إنسانيّة أكثر صدقًا، كما إنّه سيعيد توزيع الأدوار الاجتماعيّة بما فيها دور
المرأة الّذي لا يمكن أن يكون إلّا أساس في عمليّة الإنتاج والتّعاون.
إنّ هذا الانسلاخ الّذي سيفرضه الأمر الواقع
المتمثّل بالأزمة، سيخلق وعيّ جديد مختلف، ليثبت للمجتمع أنّ مفاهيم النّظام
السّابق كانت غير نافعة، وأنّ هذا النّمط الإنتاجيّ التّعاونيّ العادل هو ما مكّن
المجتمع من تأمين حدّ أدنى من الصّمود، لا بلّ حقّق بشكل عمليّ بوادر وأسس لبناء وحماية
نظام جديد سيقوم على نفس تلك المبادئ، أي الإنتاج، والتّعاون، والعدالة الاجتماعيّة.
No comments:
Post a Comment